تابعونا
النزاهة من اسمى المبادئ التي يتوجب على كل عسكري الالتزام بها تحقيقاً للمصلحة العامة للدولة الفلسطينية، لتكون فوق أي مصلحة شخصية بما يقتضيه ذلك من الامتناع عن استخدام الصلاحيات الممنوحة للعسكري،من اجل تحقيق مصالح شخصية
الرئيسة/  مقالات وآراء

بقلم العميد الدكتور / شادي جبارين

شارك الموضوع

بقلم العميد الدكتور / شادي جبارين

المستشار القانوني لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي

حين تكتب أمة دستورها، فهي لا ترتب مؤسسات الحكم فحسب، بل تعلن تصورها عن ذاتها: كيف ترى نفسها في التاريخ، وكيف تريد أن تُرى في المستقبل. فالنص الدستوري، في جوهره، ليس مجموعة قواعد عليا، بل هو لحظة وعي جمعي تُصاغ فيها صورة الجماعة عن وجودها السياسي والأخلاقي. من هنا، فإن أي حديث عن دستور في فلسطين يبدأ من سؤال أعمق من توزيع السلطات أو تعداد الحقوق: ما الذي يشكّل جوهر هذه الجماعة؟ وما الذي ينبغي أن يبقى ثابتا في خضم التحولات السياسية؟

الدساتير الكبرى في التاريخ لم تكن محايدة تجاه سؤال الكينونة. الدستور الأميركي، في خلفيته الفلسفية، انبثق من أفكار جون لوك حول الحقوق الطبيعية، بينما صاغت الثورة الفرنسية إعلانها متأثرة بروح جان جاك روسو وفكرة الإرادة العامة. لم تكن تلك النصوص محض تقنيات حكم، بل ترجمة لرؤية عن الإنسان والمجتمع والسلطة. الفكرة السابقة على المادة القانونية هي التي منحتها مشروعيتها.

في السياق الفلسطيني، تتخذ المسألة بعدا أكثر تعقيدا. فالجماعة السياسية هنا لم تتشكل في ظل سيادة مستقرة، بل في سياق اقتلاع وصراع واستمرار في المطالبة بالاعتراف. لذلك فإن النص الأعلى المرتقب لا يواجه فقط مهمة تنظيم الدولة، بل مهمة تثبيت الوجود ذاته في صيغة قانونية. إن الكينونة الفلسطينية ليست نتاج حدود مرسومة فحسب، بل حصيلة ذاكرة مشتركة وتجربة تاريخية عميقة، ما يجعل الدستور إطارا لحماية هذه التجربة من الذوبان أو التشويه.

الفلسفة السياسية تعلمنا أن الدولة ليست مجرد جهاز إداري؛ إنها شكل من أشكال الوعي المنظم. عند هيغل، الدولة هي تجلّي الروح الموضوعية، أي التعبير الأعلى عن أخلاق الجماعة في صورة مؤسسات. وإذا أخذنا هذا التصور بجدية، فإن النص الدستوري الفلسطيني ينبغي أن يكون مرآة لتلك الأخلاق الجماعية: تقديس الكرامة، مركزية الحرية، والإيمان بعدالة القضية. من دون هذا البعد القيمي، يصبح الدستور شكلاً فارغا، حتى لو كان متقن الصياغة.

ثمّة بعد آخر لا يقل أهمية: العلاقة بين الذاكرة والالتزام. النص الأعلى لا يحفظ الماضي بوصفه حنينا، بل بوصفه عنصرا مكوّنا للشرعية. إدراج عناصر التاريخ والنضال لا يعني تحويل الوثيقة إلى بيان عاطفي، بل تأكيد أن الشرعية السياسية مستمدة من سردية جماعية متماسكة. فالجماعة التي لا تعترف بجذورها في نصها المؤسس، تخاطر بأن تفقد قدرتها على إنتاج معنى مشترك للمستقبل.

غير أن التحدي يكمن في الموازنة بين الخصوصية والانفتاح. فالتشبث بالذات لا ينبغي أن يتحول إلى انغلاق، بل إلى قاعدة للانخراط في العالم. الدستور، حين يعبر عن الكينونة الفلسطينية، مطالب بأن يصوغها بصيغة إنسانية عامة: كرامة الفرد، مساواة المواطنين، احترام التعدد، وضمان الحرية. هنا يتحقق التوازن بين الخاص والعالمي، بين التفرد التاريخي والانتماء إلى الأسرة الإنسانية.

إن النص المؤسس ليس إعلانا أدبيا، بل التزام قانوني ملزم. لذلك فإن التعبير عن الذات الجمعية يجب أن يتحول إلى مبادئ قابلة للتفعيل: صون الحقوق، تحديد طبيعة الدولة، رسم علاقتها بأبنائها في الداخل والشتات، وترسيخ سيادة القانون بوصفها التعبير الأسمى عن إرادة الجماعة. فالمعنى لا يكتمل إلا حين يتحول إلى مؤسسة، وحين تصبح القيم قواعد حاكمة لا شعارات معلّقة.

غير أن التعبير عن الكينونة الجماعية في النص الأعلى لا يكتمل إلا إذا تَحوَّل من إعلان رمزي إلى مبدأ مُنظِّم لبنية الشرعية الدستورية. في فقه القانون الدستوري، لا تُستمد الشرعية فقط من الشعب مصدر السلطات بوصفها صيغة تقريرية، بل من قدرتها على التحول إلى ما يسميه الفقهاء القوة التأسيسية الأصلية أي تلك الإرادة التي تنشئ النظام القانوني ولا تستمد مشروعيتها منه. هنا يصبح السؤال الفلسطيني مركزيا: هل يُراد للنص أن يكون تعبيرا عن قوة تأسيسية حقيقية تُنتج نظاما سياديا مكتمل الأركان، أم مجرد ترتيب مؤسسي داخل إطار غير مكتمل السيادة؟ إن الفرق بين الدستور بوصفه تعبيرا عن سيادة أصلية، وبين ما يسميه الفقه المقارن الدساتير الانتقالية أو الدساتير المقيدة خارجيا، هو فرق في طبيعة الكينونة السياسية ذاتها. فالسيادة، في معناها الدستوري العميق، ليست مجرد اعتراف دولي، بل قدرة ذاتية على تحديد المجال العام وتقييد السلطة بقواعد نابعة من الإرادة الجماعية الحرة.

وفي المقارنة الدستورية، نلحظ أن دستور ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية لم يكتفِ بتنظيم السلطات، بل جعل الكرامة الإنسانية مبدأ فوق دستوري غير قابل للتعديل، مؤسسا لما يُعرف بـ المبادئ فوق الدستورية. كما أن دستور جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري لم يكن مجرد انتقال سياسي، بل إعادة تأسيس أخلاقي للدولة على قاعدة المصالحة والعدالة الدستورية. في كلا المثالين، لم تكن الوثيقة نصا تقنيا، بل لحظة تأسيس أعادت تعريف الجماعة السياسية ذاتها. هذا هو التحدي العميق أمام أي نص تأسيسي فلسطيني: أن ينتقل من مستوى التقرير إلى مستوى التأسيس، من صياغة الهوية إلى دسترتها في صورة مبادئ عليا تحوز صفة الثبات، ومن إعلان الإرادة إلى تحويلها إلى نظام معياري متماسك يعلو على السلطة ويقيدها. عندها فقط يصبح الدستور ليس وصفا لواقع قائم، بل أداة لخلق واقع جديد، ووعاءً قانونيا لإرادة شعب يُعرّف نفسه بذاته.

في النهاية، ليست القضية في تكرار المصطلحات أو الاكتفاء بالشعارات، بل في القدرة على تحويل التجربة التاريخية إلى بناء دستوري متماسك. إن أي دستور لا يعكس الكينونة العميقة للشعب الذي يضعه سيظل غريبا عنه، مهما بلغت دقته الفنية. أما إذا نجح في التقاط روح الجماعة وصوغها في مبادئ عليا، فإنه يصبح أكثر من قانون: يصبح وعدا بالمستقبل.

Developed by MONGID | Software House