ما بين خزانة الأم وذاكرة الجيل الجديد تتغيّر الأدوات
أمس
د. فاطمة غنام
رئيس التحرير – هيئة التوجيه الوطني والمعنوي
خلال إعادة ترتيب الأرشيف في مكتبي، استوقفت بناتي بعض الوسائط القديمة المحفوظة في الخزانة. نظرن إليها بشيء من الاستغراب، ثم جاء السؤال ببساطته ودلالته: ما هذه؟
كان السؤال كافياً لاستحضار مسافة زمنية كاملة بين جيلين.
ما بدا لهن غريباً كان، في مرحلة ليست بعيدة، جزءاً أساسياً من أدوات العمل الإعلامي وحفظ المعلومات. وسائط حملت صوراً ووثائق وتسجيلات ومواد صحفية، واحتاجت إلى خزائن ومساحات وطرق تصنيف وحفظ، فيما يستطيع جيل اليوم أن يحمل كمّاً هائلاً من البيانات في وحدة تخزين صغيرة، أو أن يصل إليه خلال ثوانٍ عبر فضاء رقمي لا يحتاج إلى رفوف ولا خزائن.
المشهد، على بساطته، يختصر واحداً من أعمق التحولات التي شهدها العمل الإعلامي خلال العقود الأخيرة: تغيّرت أدوات حفظ المعلومة، وتغيّرت سرعة تداولها، وتغيّرت علاقتنا بالزمن نفسه.
في السابق، كان الوصول إلى مادة أرشيفية يتطلب معرفة بمكانها، ووقتاً للبحث عنها، ونظاماً دقيقاً في التصنيف. اليوم، يمكن استعادة آلاف الوثائق والصور والتسجيلات خلال لحظات. إلا أن سهولة الوصول لا تعني، بالضرورة، أننا أصبحنا أكثر قدرة على حفظ الذاكرة.
وهنا تكمن المفارقة... فنحن نعيش عصراً ينتج من المعلومات في يوم واحد ما كان يحتاج سابقاً إلى سنوات، فيما أصبحت المعلومة أكثر عرضة للضياع وسط هذا التدفق المتسارع. يُنشر الخبر بسرعة، وتنتقل الصورة في لحظتها، ثم تتراجع أمام مئات المواد الجديدة. وما لم تكن هناك رؤية واعية للتوثيق والأرشفة، يمكن أن تضيع أحداث مهمة في زحام اللحظة الرقمية.
بالنسبة إلى المؤسسات الإعلامية والوطنية، لا يمكن النظر إلى الأرشيف باعتباره مساحة لحفظ ما انتهى دوره، فالأرشيف هو ذاكرة المؤسسة، ومرجعها، والشاهد الذي يتيح قراءة تطورها وفهم السياق الذي عملت فيه. وحين يرتبط الأمر بمؤسسة كهيئة التوجيه الوطني والمعنوي، فإن قيمة الأرشيف تتجاوز حدود العمل الإداري والإعلامي، لأنه يوثق مراحل وأحداثاً وشخصيات ومواقف تحمل جزءاً من الذاكرة الوطنية الفلسطينية.
كل صورة مؤرشفة تحمل زمنها، كل وثيقة تحفظ سياقاً، كل تسجيل قد يصبح بعد سنوات مصدراً لفهم حدث أو مرحلة أو خطاب سياسي وإعلامي. ولهذا، فإن التحول الرقمي في المؤسسات لا ينبغي أن يقتصر على نقل محتوى الخزائن إلى أجهزة الحاسوب أو وحدات التخزين الحديثة. التحول الحقيقي يبدأ من بناء منظومة تحفظ المعلومة، وتصنفها، وتوثق مصدرها وتاريخها وسياقها، وتضمن إمكانية استعادتها واستخدامها مستقبلاً.
وفي العمل الإعلامي تحديداً تصبح هذه المسؤولية أكثر حساسية، فنحن لا نتعامل مع بيانات محايدة فقط؛ نحن نشارك يومياً في إنتاج مادة ستتحول مع مرور الزمن إلى سجل لمرحلة عاشها المجتمع. وما نعدّه اليوم خبراً يومياً، قد يصبح غداً وثيقة يعتمد عليها باحث، أو صحفي، أو مؤرخ، أو جيل لم يعش الحدث ويريد أن يعرفه كما وقع.
ولعل إطلاق الموقع الإلكتروني لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي بحلته الجديدة يأتي في سياق هذا التحول نفسه؛ فكما تغيّرت الأدوات التي نحفظ بها ذاكرتنا، تتغير اليوم أدوات حضور المؤسسة وتوثيق عملها وإيصال رسالتها.
فالموقع الجديد ليس مجرد مساحة مختلفة لنشر الأخبار والمواد، بقدر ما هو امتداد لوعي إعلامي يرى في المحتوى الذي ننتجه اليوم جزءاً من ذاكرة المؤسسة غداً، وفي كل مادة نوثقها وننشرها لبنة في سجل يمكن للأجيال القادمة أن تعود إليه وتقرأ من خلاله جانباً من مسيرة المؤسسة والمرحلة التي عاشت فيها. فالتجديد الحقيقي لا يكون في شكل الأداة وحده، وإنما في قدرتها على حفظ المعنى الذي نريد أن يبقى.
أعود للسؤال الذي طرحنه بناتي، والذي أعادني إلى فكرة ربما نغفل عنها وسط انشغالنا اليومي، وهي أن الأجيال المقبلة لن تتعرف إلى كثير من تفاصيل حاضرنا إلا من خلال ما ننجح نحن في حفظه لها. فلربما لن تعرف تلك الأجيال شكل الوسائط التي استخدمناها، وربما تصبح حتى وحدات التخزين التي نستخدمها اليوم جزءاً من تاريخ التكنولوجيا. وهذا أمر طبيعي؛ فالأدوات تتغير باستمرار، وقد أصبحت سرعة هذا التغير جزءاً من واقعنا المهني.
غير أن القيمة الحقيقية لا تكمن في الأداة بل في المحتوى الذي نحميه، وفي الذاكرة التي نصونها، وفي قدرتنا على أن نترك للأجيال اللاحقة سجلاً مهنياً موثقاً يمكن العودة إليه بثقة.
من الخزانة إلى الحاسوب، ومن الورق إلى المنصات الرقمية، تغيرت أشكال الأرشيف، وستتغير مرة أخرى. ويبقى التحدي ذاته: أن نواكب التكنولوجيا دون أن نفقد الذاكرة، وأن نستفيد من سرعة العصر دون أن نسمح لهذه السرعة بأن تمحو تفاصيله.
فالأمم والمؤسسات لا تحفظ تاريخها بكثرة ما تنتجه من معلومات، وإنما بوعيها بما يستحق أن يبقى.