تابعونا
حسين الشيخ يثمن الدعم الأوروبي المستمر لشعبنا  وما قدمه الاتحاد الأوروبي من إغاثة لقطاع غزة ودعا إلى أن يتم توجيه التمويل عبر وكالة الأونروا والمؤسسات الرسمية الفلسطينية * روحي فتوح بالتصويت الكاسح في الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 152 دولة مقابل 3 دول وامتناع 4 رفضا لقرار الإدارة الأميركية منع الرئيس محمود عباس والوفد الفلسطيني من المشاركة في اعمال الدورة الحادية والثمانين والمطالبة بالتراجع عنه
الرئيسة/   المفوض العام _______________ رئاسة الوزراء ______________ مركز الاتصال الحكومي __________ عناوين الصحف

في الطريق الى الدولة الفلسطينية ..... عنف المستوطنين يطرق أبواب أوروبا

2026-09-17
شارك الموضوع

بقلم اللواء أنور رجب 

تتسع دائرة القضية الفلسطينية في كل مرة يهاجم فيها مستوطنون منطقة فلسطينية أو يعتدون على مواطنين فلسطينيين بالعنف الجسدي وإحراق البيوت وحصارها وتخريب الأراضي الزراعية، حينها فقط تتولد معادلة جديدة، حيث يبدأ الاعتداء في الضفة الغربية وينتهي في العواصم الأوروبية كسؤال سياسي وأخلاقي عن حدود ما تستطيع الحكومات الأوروبية احتماله من ممارسات إسرائيلية تقوض القانون الدولي وتهدد مستقبل المنطقة، ومن هذه الزاوية يمكن فهم البيان الذي وقعته 12 دولة بشأن حماية حل الدولتين ومواجهة التوسع الاستيطاني باعتباره تعبيرا عن قلق يتجاوز الموقف التقليدي من الاستيطان إلى البحث عن وسائل للتأثير في الواقع الذي ينتجه على الأرض.

جاء البيان في لحظة تتسارع فيها عملية تغيير الواقع في الضفة الغربية، يترافق فيها التوسع الاستيطاني مع عنف متصاعد ضد الفلسطينيين ومع خطاب إسرائيلي يميني يزداد وضوحا في رفض الدولة الفلسطينية والدفع نحو الضم وتكريس السيطرة الإسرائيلية على أجزاء واسعة من الضفة، وفي ظل هذا المشهد تجد الحكومات الأوروبية نفسها أمام تناقض بين التزامها المعلن بحل الدولتين وبين واقع سياسي وجغرافي يجري تشكيله بصورة تجعل قيام الدولة الفلسطينية أكثر صعوبة مع مرور الوقت.

ولم يتشكل هذا الموقف الأوروبي في فراغ، فقد راكمت الدبلوماسية الفلسطينية خلال السنوات الماضية حضورا متزايدا داخل المؤسسات الدولية، وخاضت معارك سياسية وقانونية طويلة لتثبيت الاعتراف بالدولة الفلسطينية وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره ورفض الاستيطان، ومع اتساع دائرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية تحول هذا المسار إلى عنصر حاضر في المواقف الدولية، وأسهم في إبقاء القضية الفلسطينية داخل المؤسسات الدولية وفي مواجهة المحاولات الإسرائيلية لفرض واقع جديد على الأرض.

وترافق هذا المسار الدبلوماسي مع سياسة فلسطينية تقوم على الصبر الاستراتيجي وضيط النفس، انطلاقا من إدراك أن الاحتلال يراهن على عامل الزمن وعلى قدرته على تغيير الوقائع بصورة تدريجية، ولذلك كان الحفاظ على الأرض والوجود الفلسطينيين، ومواصلة العمل السياسي والدبلوماسي والقانوني، جزءا من محاولة تفويت الفرصة على الاحتلال لإطلاق العنان لمشروعه الاستيطاني والإحلالي وتحويل الوقائع التي يفرضها إلى أمر واقع يصعب تغييره.

وتزداد حساسية هذا التناقض عندما يتعلق الأمر بعنف المستوطنين، فأوروبا التي جعلت احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان جزءا من خطابها السياسي تواجه صورا متكررة لاعتداءات تستهدف الفلسطينيين وأراضيهم وممتلكاتهم، وكل اعتداء جديد يضيف سؤالا حول حدود العلاقة مع إسرائيل وحول قدرة الحكومات الأوروبية على الدفاع عن المبادئ التي تعلن التمسك بها عندما تتعارض هذه المبادئ مع الوقائع التي تفرضها القوة على الأرض.

فعندما يؤدي العنف إلى إخراج فلسطيني من أرضه أو تهديد قرية أو تعطيل حياة السكان فإن المسألة تتجاوز التعاطف مع الضحايا، فالعنف يدخل في عملية إعادة تشكيل جغرافيا الضفة الغربية، وعندما يتزامن ذلك مع توسيع المستوطنات وشق الطرق وتثبيت البؤر الاستيطانية فإن العنف يصبح جزءا من واقع سياسي متكامل، لهذا ارتبط الاستيطان بعنف المستوطنين في الخطاب الأوروبي الأخير، ولم يعد الترويج للمستوطنات والمستوطنين كمجرد بيوت لسكان مدنيين يحجون إلى جغرافية دينية أو أسطورية، وإنما بمسار يهدد الأساس الجغرافي والسياسي الذي يفترض أن تقوم عليه الدولة الفلسطينية.

ومن هنا اكتسب التعامل مع منتجات المستوطنات أهمية خاصة، فمقاطعة هذه المنتجات لا تتعلق بقيمتها التجارية وحدها، إنها تحمل رسالة سياسية مفادها أن النشاط الاقتصادي الناتج عن واقع استيطاني تعتبره الغالبية الساحقة من المجتمع الدولي غير شرعي لا ينبغي أن يحظى بحماية سياسية واقتصادية كاملة، وهذا يمثل انتقالا من إدانة الاستيطان إلى محاولة تحميله كلفة، وقد يكون الأثر التجاري محدودا مقارنة بحجم الاقتصاد الإسرائيلي، إلا أن الأثر السياسي يصبح أكثر أهمية إذا تحول الإجراء إلى سياسة أوروبية ثابتة ومتصاعدة.

وتفسر هذه النقطة جانبا من حدة الموقف الإسرائيلي، فاليمين الإسرائيلي ينظر إلى المستوطنات باعتبارها جزءا من مشروع سياسي يراد له تثبيت السيطرة الإسرائيلية على الأرض وليس مجرد تجمعات سكانية يمكن فصلها عن مستقبل الصراع، لذلك فإن استهداف منتجاتها يحمل دلالة تتجاوز التجارة وتقترب من المشروع السياسي نفسه، في المقابل ترى الدول الأوروبية أن السكوت عن توسع الاستيطان يعني ترك حل الدولتين يتآكل أمام الوقائع التي تصنعها إسرائيل على الأرض.

وتأتي أهمية البيان أيضا من توقيته، فالمجتمع الدولي يتحدث منذ سنوات عن حل الدولتين بينما تتقدم المستوطنات على الأرض بصورة أسرع من قدرة المسار السياسي على وقفها، وإسرائيل تصنع وقائع جديدة والمستوطنون يوسعون مجال السيطرة اليومية والفلسطينيون يدفعون الثمن من أمنهم وأرضهم وحقهم في البقاء داخل مناطقهم، وفي المقابل تحاول أوروبا استخدام أدواتها السياسية والاقتصادية للحفاظ على إمكانية لم تعد مضمونة كما كانت في الخطاب الدبلوماسي.

لهذا لا تكمن أهمية البيان في إعادة التأكيد على حل الدولتين فقط، أهميته أنه يعكس إدراكا أوروبيا بأن هذا الحل يحتاج إلى حماية عملية قبل أن يفقد شروطه على الأرض، فكل مستوطنة جديدة تضيق المجال أمام الدولة الفلسطينية، وكل اعتداء يدفع الفلسطينيين خارج أرضهم يضيف طبقة جديدة إلى واقع الضم، وكل مشروع استيطاني يقطع التواصل بين مناطق الضفة يجعل الحديث عن دولة فلسطينية قابلة للحياة أكثر صعوبة.

وهنا يصبح عنف المستوطنين قضية أوروبية، فهو يضع الحكومات الأوروبية أمام حدود علاقتها بإسرائيل ويختبر قدرتها على تحويل مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان إلى سياسات عملية، كما يفرض على الرأي العام الأوروبي سؤالا مباشرا حول معنى الحديث عن حماية حل الدولتين إذا ظلت الأرض تتغير بهذه السرعة. وعندما تتسع الاعتداءات وتترافق مع مشاريع الاستيطان والضم فإن القضية تنتقل من كونها نزاعا فلسطينيا إسرائيليا إلى اختبار للسياسة الأوروبية نفسها.

لهذا فإن الاختبار الحقيقي للبيان لن يكون في عدد الدول التي وقعته ولا في قوة العبارات التي تضمنها، الاختبار سيكون في قدرته على الانتقال من التعبير عن القلق إلى التأثير في الواقع.

وهذا هو جوهر المسألة في هذه اللحظة، أوروبا لا تواجه فقط سؤالا عن مستقبل الفلسطينيين، إنها تواجه سؤالا عن مستقبل سياستها نفسها، فكلما اتسع عنف المستوطنين أصبح من الصعب على الحكومات الأوروبية الفصل بين علاقاتها بإسرائيل وبين ما تفعله إسرائيل على الأرض، وحماية الدولة الفلسطينية ومشروع حل الدولتين لا يبدأ عند طاولة المفاوضات لكنه يبدأ من حماية الأرض الفلسطينية ومنع تحويل الاستيطان والعنف إلى وسيلة لإعادة رسم مستقبلها.

 

*المفوض العام لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي

الناطق الرسمي لقوى الأمن الفلسطيني

Developed by MONGID | Software House