هيئة التوجيه الوطني والمعنوي.. من إرث الثورة إلى صناعة الوعي الوطني
اليوم
بقلم: احمد عمرو
وكيل مساعد/ التوجيه الوطني والمعنوي
مسيرة بدأت مع الثورة.. ورسالة تتجدد مع الوطن.. ومؤسسة تستنهض دورها لصناعة الوعي وبناء الإنسان.
ليست هيئة التوجيه الوطني والمعنوي مجرد مؤسسة من مؤسسات العمل الوطني، وليست مهمتها نشاطاً توعوياً عابراً أو خطاباً موسمياً، إنها جزء من مسيرة وطنية طويلة بدأت مع الثورة الفلسطينية المعاصرة، حين أدركت الحركة الوطنية الفلسطينية أن معركة التحرر لا تخاض بالأداة وحدها، وأن حماية المشروع الوطني تتطلب إنساناً واعياً، مؤمناً بقضيته، مدركاً لمسؤوليته، وقادراً على الصمود أمام التحولات والتحديات.
ومن هذا الإيمان نشأت فكرة التوجيه السياسي، وتطورت عبر عقود الثورة والعمل الوطني، لتنتقل من إطار تعبوي ارتبط بالمقاتلين والكوادر إلى مؤسسة وطنية رسمية اتسعت رسالتها لتشمل المؤسسة الأمنية والمجتمع، ثم تتبلور اليوم في إطار هيئة التوجيه الوطني والمعنوي، بهوية مؤسسية جديدة ورؤية أكثر اتساعاً واستجابة لمتطلبات المرحلة.
لقد تغيرت الظروف، وتبدلت أدوات التأثير، واتسعت ساحات تشكيل الوعي؛ لكن جوهر الرسالة بقي ثابتاً: بناء الوعي، وتعزيز الانتماء، وترسيخ المسؤولية الوطنية، وحماية المعنويات، وتعميق الثقة بالمؤسسات الوطنية.
مرحلة جديدة.. عنوانها الاستنهاض
اليوم، تقف الهيئة أمام محطة جديدة من تاريخها، محطة لا تستند إلى استعادة الماضي، وإنما إلى البناء عليه والانطلاق منه نحو المستقبل.
فمنذ تولي اللواء أنور رجب قيادة الهيئة في نيسان/أبريل 2025، بدأت عملية استنهاض شاملة تستهدف إعادة بناء المؤسسة وتطوير أدائها وتحديث أدواتها واستعادة حضورها الفاعل، ضمن رؤية تقوم على التخطيط الاستراتيجي، والتخصص، والتكامل، والرقمنة، وقياس الأثر.
فالاستنهاض في مفهوم الهيئة ليس مجرد إعادة تشغيل لما كان قائماً، بل إعادة تعريف لطريقة العمل وأولوياته وأدواته؛ انتقال من النشاط إلى البرنامج، ومن المبادرة المنفردة إلى الخطة، ومن رد الفعل إلى الاستباق، ومن مخاطبة الجمهور بصورة عامة إلى بناء رسائل وبرامج متخصصة تستجيب لاحتياجات الفئات المختلفة.
من مؤسسة أمنية إلى مجتمع كامل
وتؤمن الهيئة بأن الوعي الوطني لا يمكن أن يبقى محصوراً داخل أسوار المؤسسة الأمنية، رغم مكانتها المحورية في منظومة التوجيه الوطني والمعنوي
فالرسالة تتجه اليوم إلى المجتمع بكل مكوناته؛ إلى المدرسة والجامعة، إلى الشباب والمرأة، إلى المؤسسة الرسمية والأهلية، إلى مؤسسات المجتمع المدني، وإلى كل مساحة يتشكل فيها وعي الإنسان الفلسطيني واتجاهاته ومواقفه.
ولهذا تعمل الهيئة على توسيع حضورها من خلال إدارات ووحدات متخصصة تعنى بالفئات المختلفة، وتطوير برامج توعوية وتعبوية تتناسب مع طبيعة كل قطاع، بحيث يصبح لكل فئة خطابها وأدواتها ومسارات التواصل معها.
فالشاب ليس مجرد متلق للرسالة؛ بل شريك في إنتاجها وصناعة مستقبلها.
والمرأة ليست جمهوراً مستهدفاً فقط؛ بل شريك أساسي في بناء الوعي داخل الأسرة والمجتمع.
والطالب في المدرسة والجامعة ليس رقماً في برنامج توعوي؛ بل هو جزء من مستقبل المجتمع والدولة والمشروع الوطني.
والمؤسسة الرسمية والأهلية ليست مجرد مساحة لتنفيذ النشاط؛ بل شريك في بناء ثقافة وطنية ومؤسسية متكاملة.
المؤسسة الأمنية.. بناء المعنويات وصون الرسالة
وتظل المؤسسة الأمنية في صميم عمل الهيئة، باعتبارها إحدى الركائز الأساسية للدولة والمجتمع.
وهنا يتجاوز التوجيه الوطني والمعنوي مفهوم المحاضرة التقليدية إلى منظومة متكاملة تعنى ببناء الإنسان الأمني، وتعزيز الانضباط والمسؤولية، وترسيخ قيم خدمة المواطن واحترام القانون، وتعزيز الروح المعنوية والجاهزية، وربط الواجب المهني بالمسؤولية الوطنية.
وفي المقابل، تعمل الهيئة على تعزيز جسور التواصل بين المؤسسة الأمنية ومحيطها المجتمعي، بما يعزز الفهم المتبادل، ويكرس مفهوم المؤسسة الوطنية التي تستمد قوتها من ثقة المجتمع بها ومن قدرتها على خدمته وحمايته.
التوجيه في زمن جديد
لم تعد معركة الوعي تجري في قاعة محاضرات أو عبر منشور ورقي فقط.
إنها تجري اليوم في الهاتف، والمنصة الرقمية، والجامعة، والمدرسة، ووسائل الإعلام، وفضاء التواصل الاجتماعي؛ حيث تتدفق المعلومات بسرعة غير مسبوقة، وتتداخل الحقيقة مع الشائعة، ويتحول المحتوى إلى أداة للتأثير وصناعة الاتجاهات.
ومن هنا، تدرك الهيئة أن تطوير أدواتها ليس خياراً، بل ضرورة.
ولهذا تتجه نحو التحول الرقمي، وأتمتة العمل، وإدارة البيانات والمعرفة، وتطوير المحتوى، وتحديث وسائل الاتصال، وبناء حضور رقمي قادر على الوصول إلى الأجيال الجديدة بلغتها وأدواتها.
خطة واحدة.. ورسائل متعددة
المرحلة الجديدة من عمل الهيئة تقوم على قاعدة أساسية: لا يمكن إدارة الوعي بالعشوائية.
ولهذا تتجه الهيئة إلى بناء منظومة عمل تستند إلى خطة واضحة، وأهداف محددة، وفئات مستهدفة، ورسائل مدروسة، وشراكات مؤسسية، وآليات تنفيذ ومتابعة وتقييم.
فالهدف ليس زيادة عدد الفعاليات، وإنما زيادة أثرها.
وليس المهم كم شخصاً استمع إلى الرسالة، وإنما ماذا تركت الرسالة لديه من فهم وقناعة وسلوك.
وهنا يكمن التحول الحقيقي: أن يصبح التوجيه الوطني والمعنوي صناعة للوعي قائمة على التخطيط والمعرفة والاختصاص وقياس النتائج.
الموقع الجديد.. واجهة لمؤسسة جديدة
وفي هذا السياق يأتي إطلاق الموقع الرسمي لهيئة التوجيه الوطني والمعنوي بحلته الجديدة، ليكون أكثر من نافذة إلكترونية على أخبار الهيئة ونشاطاتها.
إنه جزء من التحول المؤسسي الذي تشهده الهيئة، ومن حضورها الجديد في الفضاء الرقمي؛ منصة للتعريف برسالتها، وتوثيق تاريخها، وإبراز برامجها ومبادراتها، وإتاحة المعرفة حول عملها، وتعزيز التواصل مع المؤسسة الأمنية والمؤسسات الرسمية والأهلية ومختلف شرائح المجتمع.
إن الموقع الجديد يعكس في مضمونه وشكله صورة مؤسسة تتغير أدواتها لأنها تريد أن تكون أكثر حضوراً وتأثيراً وقرباً من الإنسان.
إرث نحمله.. ومستقبل نبنيه
لقد رافق التوجيه السياسي مسيرة الثورة الفلسطينية في أصعب مراحلها، وحمل على امتداد عقود رسالة الوعي والصمود والانتماء.
واليوم، لا تنظر هيئة التوجيه الوطني والمعنوي إلى هذا الإرث باعتباره تاريخاً يروى، بل باعتباره رصيداً يبنى عليه للمستقبل.
فالمؤسسة التي نشأت في زمن الثورة مطالبة اليوم بأن تكون حاضرة في زمن التكنولوجيا.
والمؤسسة التي خاطبت المقاتل والكوادر مطالبة اليوم بأن تصل إلى الطالب والشاب والمرأة والموظف والمواطن.
والمؤسسة التي واجهت تحديات الأمس مطالبة بأن تستشرف تحديات الغد.
وهنا تتجسد فلسفة الاستنهاض: أن نحافظ على جوهر الرسالة، ونغير أدواتها؛ أن نصون الثوابت، ونطور الوسائل؛ أن نحمل إرث الماضي، ونبني مؤسسة المستقبل.
إن هيئة التوجيه الوطني والمعنوي تدخل مرحلتها الجديدة بثقة ومسؤولية؛ مؤسسة وطنية تتسع في حضورها، وتتطور في أدواتها، وتتعمق في تخصصها، وتتحرك بخطة، وتعمل بالشراكة، وتقيس أثرها، وتضع الإنسان الفلسطيني ووعيه وانتماءه ومسؤوليته في قلب رسالتها.
من إرث الثورة تبدأ الحكاية.. وبوعي الإنسان يستمر المشروع.. وباستنهاض المؤسسة تبنى المرحلة القادمة.