مقعد فارغ.. وصوت لم يغب
أمس
لم أكن يوماً كاتبة سياسية ولن أدّعي ذلك اليوم، فنحن لا نحتاج للتعمق في تعقيدات التحليل السياسي لنفهم ما جرى فالسياسة في أحيان كثيرة تُقرأ كصورة لا كبيان، بيان يمكن بدوره أن يُصاغ و يُزيف أما المشهد فلا يكذب ويترك أثره في الذاكرة عاريا كما هو.
في الصورة الأولى التي وصلتنا من نيويورك كان هناك مقعد فارغ كُتب عليه بوضوح "دولة فلسطين" لم يكن فارغاً لأن صاحبه تأخر بل لأنه مُنع من الوصول، فصاحبه ليس موظفاً فاته اجتماع ما، صاحبه رئيس دولة كان من المفترض أن يكون هناك في القاعة، ليتحدث باسم شعبه لا عبر شاشة فيديو، رئيس يمثل 15.5 مليون فلسطيني في العالم، شعب كامل كان يفترض أن يكون صوته حاضراً لا غائباً.
للسنة الثانية على التوالي، جددت الولايات المتحدة منع تأشيرات الدخول عن الرئيس محمود عباس ونحو ثمانين مسؤولاً فلسطينياً، فاضطرت الجمعية العامة للتصويت: 152 دولة مع، مقابل 3 فقط ضد فقط للسماح للرئيس الفلسطيني أن يتحدث عبر الفيديو.
152 دولة اضطرت أن تصوت لتقول بديهية: دعوا فلسطين تتكلم، فالرئيس محمود عباس ليس ضيفاً ينتظر تأشيرة... هو رئيس منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا، ومقعده الثابت منذ عام 2012 لم يمنحه هذه الشرعية بل شرعية القضية هي التي أوجدت المقعد فرضا على العالم.
ومن على المنبر ذاته، اكتملت المشهدية التي تختصر الحكاية نتنياهو يرفع بيجراً بيده يلوح به كتذكار لتفجيرات واغتيال عناصر حزب الله، وفي اللحظة التي بدأت فيها وفود العالم تنسحب احتجاجاً على المشهد، بدأ أحد أعضاء الوفد الإسرائيلي يجول بين الصفوف يسجل أسماء الدول التي خرجت في مشهد يعيد إلى الذاكرة صورة قديمة من المدرسة، صورة عريف الصف، ذلك الطالب الذي تختاره الإدارة ليس لأنه متفوق، بل لأنه الأقرب لها أو الأكثر ولاء فيقف عند الباب يسجل أسماء من تجرأوا أن يقولوا لا.
عنجهية إسرائيل اليوم ما كانت لتصل لهذا الحد لولا الدعم الأمريكي المطلق، الدعم الذي جعلها تظن أنها تملك القاعة، والجمعية العامة فصل دراسي تابع لها.
أما صورتنا نحن، فكانت الأسطع والأوضح من كل ذلك مقعد فارغ يشهد على من حاصره، وصوت يتحدث باسم شعب لم يغب يوماً عن المشهد، حتى لو حاولوا إزاحته من الكادر. ففلسطين ليست تأشيرة على جواز سفر، ولا مقعداً خشبيا في قاعة إجتماعات... فلسطين هي العزم حين يعلن الرئيس إننا باقون، والشعب حين يثبت في الأرض أنه باقٍ..