*لماذا ندعم سيادة الرئيس في هذه المرحلة المفصلية؟*
أمس
د.محمد الحاج
منعت الولايات المتحدة، للعام الثاني على التوالي، سيادة الرئيس محمود عباس من دخول أراضيها للمشاركة حضورياً في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة. وقد ربطت واشنطن هذا الإجراء، بصورة مباشرة، بسياسات فلسطينية تتصل بتدويل القضية الفلسطينية واللجوء إلى المؤسسات والمحاكم الدولية.
*وهنا تحديداً تكمن دلالة المشهد.*
فالمسألة لم تعد مجرد تأشيرة دخول أو منع شخصية سياسية من الوصول إلى نيويورك، وإنما أصبحت تعكس صراعاً أوسع حول المكان الذي ينبغي أن تُدار فيه القضية الفلسطينية، والأدوات التي يمكن للفلسطينيين استخدامها في إدارة هذا الصراع.
على مدى سنوات، اتجهت القيادة الفلسطينية إلى نقل القضية من إطارها الثنائي الضيق إلى فضاء دولي أوسع: الأمم المتحدة، والاعتراف الدولي، والقانون الدولي، والمؤسسات والمحاكم الدولية، والعلاقات الدبلوماسية. جوهر هذا الخيار هو توسيع ساحات الفعل السياسي، وعدم حصر القضية في ميزان قوى مباشر تكون فيه القدرة الفلسطينية محدودة مقارنة بالقوة الإسرائيلية والدعم الأمريكي لها.
*ولهذا يمكن فهم (تدويل القضية) باعتباره في الوقت نفسه عقدة وحلاً.*
هو عقدة لأنه يصطدم بمصالح وقوى تفضّل إبقاء القضية ضمن أطر سياسية محدودة يمكن التحكم بمساراتها. وهو حل لأنه يمنح الفلسطينيين أدوات إضافية: الاعتراف، والتمثيل الدولي، والقرارات الأممية، والمسارات القانونية، والعلاقات مع الدول، والقدرة على إبقاء القضية حاضرة باعتبارها قضية سياسية وقانونية دولية وليست مجرد ملف تفاوضي ثنائي.
والدليل على أهمية هذا المسار لا يحتاج إلى مبالغة. ففي أيار/مايو 2024، صوّتت الجمعية العامة للأمم المتحدة بأغلبية 143 دولة لصالح قرار يدعم أهلية دولة فلسطين للعضوية الكاملة ويوصي مجلس الأمن بإعادة النظر في طلبها، كما عزز القرار حقوق مشاركة فلسطين في أعمال الأمم المتحدة.
هذه النتائج لا تعني أن الطريق أصبح سهلاً أو أن الوصول إلى الدولة قد تحقق، لكنها تعني أن القضية الفلسطينية راكمت خلال السنوات الماضية مساحة سياسية وقانونية ودبلوماسية داخل النظام الدولي، وأصبح من الصعب اختزالها في علاقة مباشرة بين طرف فلسطيني وطرف إسرائيلي.
*ومن هنا تأتي أهمية ما حدث في الأيام القليلة السابقة .*
ففي الوقت الذي منعت فيه الولايات المتحدة سيادة الرئيس من الحضور شخصياً، أقرت الجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية 152 صوتاً مقابل 3 وامتناع 4، ترتيبات تتيح له ولعدد من المسؤولين الفلسطينيين المشاركة عبر الفيديو إذا تعذر سفرهم إلى الولايات المتحدة. وهكذا لم يؤدِ منع الوصول الجغرافي إلى منع الوصول السياسي إلى المنبر الدولي.
وهذه نقطة تستحق التوقف عندها: حين يصبح منع رئيس دولة من الوصول إلى مقر الأمم المتحدة غير كافٍ لمنع صوته من الوصول إلى الجمعية العامة، فإن ذلك يعكس أيضاً حجم المساحة التي راكمها الحضور الفلسطيني داخل المؤسسات الدولية.
وفي هذا السياق، فإن دعم سيادة الرئيس لا يُفهم فقط بوصفه موقفاً من شخص، وإنما بوصفه دعماً لنهج سياسي يرى أن القوة الفلسطينية لا تُبنى فقط بما تملكه على الأرض، وإنما أيضاً بما تستطيع أن تراكمه في السياسة والقانون والدبلوماسية والعلاقات الدولية.
*وهذا النهج له كلفة،ولكن تدفعه القيادة*
فالتدويل يضع القيادة الفلسطينية أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية ومالية واقتصادية، ويجعلها عرضة لإجراءات وضغوط من أطراف دولية ترى في هذا المسار تحدياً لمعادلاتها السياسية. لكن هذه الكلفة تُدفع أساساً في ساحات السياسة والدبلوماسية والمؤسسات الدولية، أي في ساحات يمكن خوضها وإدارتها دون أن يتحول كل صراع سياسي إلى خسائر مباشرة في حياة الناس وممتلكاتهم وأرضهم.
وهنا تبرز المقارنة الأهم مع الخيارات التي راهنت على الصدمة العسكرية، ولا سيما منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.
فالمواجهة العسكرية قد تنتج لحظة شعبوية كبيرة، لكنها تفتح في الوقت نفسه الباب أمام كلفة بشرية ومادية هائلة، كما أظهرت الحرب التي تلت السابع من أكتوبر وما رافقها من قتل ودمار ونزوح واسع في قطاع غزة. وفي المقابل، يقوم خيار التدويل على نقل جزء كبير من الصراع إلى ساحات أخرى: الجمعية العامة، ومجلس الأمن، والمؤسسات القانونية الدولية، والعلاقات بين الدول، والاعتراف السياسي.
المفارقة أن القيادة التي تتحمل كلفة الضغط السياسي والاقتصادي والدبلوماسي تستطيع، عبر هذا المسار، أن تحول جزءاً من الصراع من مواجهة مباشرة إلى معركة تراكمية على الشرعية والاعتراف والقانون والموقف الدولي.
*ولهذا فإن السؤال في هذه المرحلة ليس فقط: ماذا حققت القيادة الفلسطينية في لحظة معينة؟ بل أيضاً: ماذا راكمت للقضية الفلسطينية على مدى السنوات؟*
فالدول التي اعترفت بفلسطين، والمكانة التي تطورت داخل الأمم المتحدة، والقرارات الدولية، والملفات القانونية، والعلاقات الدبلوماسية، كلها تتحول مع الوقت إلى عناصر قوة سياسية يمكن البناء عليها. وقد لا تحقق هذه الأدوات نتائج فورية، لكنها تخلق واقعاً دولياً لا يمكن تجاهل القضية الفلسطينية فيه أو اختزالها في ترتيبات مؤقتة.
ومن هذه الزاوية، يصبح منع سيادة الرئيس من الوصول إلى نيويورك مفارقة سياسية بحد ذاته: فالإجراء الأمريكي استهدف الوصول الشخصي إلى المنبر، لكن المنبر نفسه بقي متاحاً للفلسطينيين عبر آلية دولية أقرتها الجمعية العامة.
*وهنا تكمن أهمية المرحلة.*
إن دعم سيادة الرئيس، وفق هذا المنظور، هو دعم لنهج يقوم على تدويل القضية، وتوسيع أدواتها، وترسيخ حضورها في النظام الدولي، وبناء القوة الفلسطينية بالتراكم السياسي والقانوني والدبلوماسي.
فإذا كان ثمن التدويل أن تتحمل القيادة ضغوطاً سياسية واقتصادية ومالية ودبلوماسية، فإن كلفة الخيارات العسكرية قد يدفعها الشعب من دمه وبيته وأرضه ومستقبله. وبين الكلفتين، تتضح أهمية إدارة الصراع في الساحات التي يمكن فيها بناء أوراق القوة وتراكمها، بدلاً من استنزافها في لحظة واحدة.
*هذه هي المسألة التي تجعل دعم سيادة الرئيس في هذه المرحلة مرتبطاً، قبل أي شيء آخر، بدعم خيار سياسي واضح: أن تبقى القضية الفلسطينية حاضرة في العالم، وأن تتوسع ساحاتها، وأن يتحول التراكم الدولي إلى رصيد سياسي يُبنى عليه الطريق نحو الدولة الفلسطينية.*