تابعونا
بيت لحم : إحياء يوم السياحة العالمي تحت شعار "ما أحلى بلادي"وزير جيش الاحتلال يوعز بإغلاق شامل للمعابر بالضفة وغزة في ذكرى 7 أكتوبر، بحيث سيتم الإغلاق يومي 5 و7 أكتوبر ولن تُمنح استثناءات لفتح المعابر في الضفة الغربية إلا في حالات استثنائية، مع السماح بمرور العاملين الأساسيين في القطاع الصحي من الضفة الغربية.
الرئيسة/  مقالات وآراء

بين نقد الواقع وصناعة الواقع

أمس
شارك الموضوع

 

بعد وقوع الأحداث، تبدو أشياء كثيرة أكثر وضوحًا مما كانت عليه قبلها. نعرف أين كان يمكن أن يكون القرار أفضل، وما البديل الذي كان يبدو ممكنًا، وما الخطوة التي كان ينبغي اتخاذها. لكن السؤال الأصعب يبقى: ماذا كان يمكن فعله في اللحظة التي لم تكن فيها النتيجة معروفة؟

 

هنا تبدأ المسافة بين نقد الواقع وصناعة الواقع. فأن ترى الخلل، وتشرح أسبابه، وتطرح ما كان ينبغي أن يحدث، أمر مهم. لكن تحويل هذه الرؤية إلى قرار وفعل يضع صاحبها أمام أسئلة مختلفة: ماذا يمكن فعله الآن؟ ما كلفته؟ وما مخاطره؟ وكيف يمكن تنفيذه؟

 

لا يتقدم أي واقع من دون نقد يراجعه، ويكشف مواطن الخلل فيه، ويفتح المجال أمام ما يمكن أن يكون أفضل. فالنقد جزء من حيوية المجتمعات والمؤسسات، وقد يكون بداية التغيير حين يلفت الانتباه إلى ما يحتاج إلى إصلاح، أو يطرح سؤالًا لم يُطرح من قبل.

 

لكن ثمة فرقًا بين أن ترى ما يحتاج إلى تغيير، وأن تتحمل مسؤولية تغييره. فعندما ننتقل من مساحة الأفكار والمواقف إلى مساحة القرار والفعل، تصبح الفكرة قرارًا، ويدخل القرار في شبكة من الحسابات، ثم يتحول إلى نتيجة يتحمل صاحبها مسؤوليتها.

 

وليس كل نقد سواء. فالنقد البناء يكشف الخلل، ويحاول فهم أسبابه، ويفتح المجال أمام بدائل يمكن التفكير فيها واختبارها. وفي المقابل، هناك نقد يكتفي بتسجيل الموقف، فيبقى عند حدود وصف الخطأ دون الانتقال إلى البحث في البديل أو إمكان تغييره. والفارق بينهما لا يتعلق بحدة العبارة أو قوة الموقف، بل بما يتركه النقد وراءه: هل يفتح طريقًا للفهم والتصحيح، أم يكتفي بتثبيت الخطأ؟

 

وتظهر صعوبة القرار أكثر عند تقييمه بعد وقوعه. فالنتيجة أصبحت معروفة، والبدائل تبدو أوضح، بينما اتُّخذ القرار في وقت كانت فيه المعلومات محدودة والاحتمالات متعددة.

 

لذلك يختلف الموقف عن القرار. فالموقف قد يكون واضحًا ومباشرًا، أما القرار فيحتاج إلى تقدير للتوقيت، وترتيب للأولويات، وتحديد للأدوات، وحساب للنتائج المحتملة. وفي كثير من الأحيان لا يكون هناك خيار مثالي، بل خيارات تحمل كلفًا مختلفة.

 

وهنا تظهر إحدى أهم مسؤوليات الفعل: أن تختار دون يقين كامل بما سيحدث، وأن توازن بين الممكن والمطلوب، ثم تتحمل مسؤولية ما اخترته. فصاحب القرار يبقى مع قراره أثناء التنفيذ وفي نتائجه، وقد يضطر إلى تعديل المسار عندما يكشف الواقع ما لم يكن ظاهرًا في البداية.

 

وفي الواقع الفلسطيني، تزداد أهمية هذه المسافة، لأن القرار العام يتشكل ضمن اعتبارات سياسية واقتصادية واجتماعية ومؤسسية متداخلة. لذلك لا يكتمل تقييم القرار بالنظر إلى نتيجته وحدها، كما لا يكتمل طرح البديل بجاذبيته النظرية، بل يحتاج أيضًا إلى سؤال أكثر واقعية: كيف يمكن تنفيذه؟

 

كثيرًا ما يكون النقاش أسرع من القرار. فقد تبدو بعض المواقف واضحة وحاسمة، لكن تحويلها إلى سياسة أو إجراء يحتاج إلى أدوات وموارد وتوقيت وقدرة على التعامل مع النتائج غير المتوقعة. وهنا يظهر الفرق بين الفكرة الجيدة والقرار الجيد: القدرة على نقل الأولى من مساحة الاقتناع إلى مساحة الإمكان.

 

ومن هنا تظهر أهمية الفاعل؛ لا لأنه أكثر معرفة من الجميع أو لا يخطئ، وإنما لأنه يدخل إلى المساحة التي تُختبر فيها الأفكار أمام الواقع. فهو ينتقل بالسؤال من (ماذا يجب أن يحدث؟) إلى (كيف نجعل ما نريده ممكنًا؟) ، عبر ترتيب الأولويات، واختيار التوقيت، وتقدير المخاطر، وتحديد الأدوات، ثم مراجعة المسار عندما تحتاج بعض التقديرات إلى تعديل.

 

وهنا يصبح النقد البناء أكثر أهمية، لا أقل. فالقرار الذي لا يراجع نفسه قد يكرر أخطاءه، والمؤسسة التي لا تسمع الملاحظات قد تفقد قدرتها على التعلم. وتزداد قيمة النقد عندما يتجاوز وصف المشكلة إلى فهمها والتفكير في البدائل الممكنة وشروط تنفيذها.

 

لذلك لا يقف النقد والفعل في جهتين متقابلتين. النقد يكشف ما يحتاج إلى تغيير، والفعل يختبر إمكان تحويل هذا التغيير إلى واقع. وبينهما تتشكل عملية مستمرة من المراجعة والتعلم والتصحيح.

 

فصناعة الواقع لا تبدأ بالضرورة من امتلاك الحل الكامل، بل من القدرة على تحديد الخطوة الممكنة، وتنفيذها، وقياس أثرها، وتصحيحها إذا لزم الأمر. وهذا ما يجعل الفعل عملية مستمرة، لا مجرد لحظة لاتخاذ القرار.

 

نحتاج إلى النقد لأنه يساعدنا على رؤية ما يحتاج إلى تغيير، ونحتاج إلى الفعل لأنه ينقل هذه الرؤية إلى مساحة الاختبار الحقيقي. ويظل كل منهما بحاجة إلى الآخر: النقد يراجع المسار، والفعل يختبره.

 

بين أن تقول كيف يجب أن يكون الواقع، وبين أن تعمل كي يصبح كذلك، تقع المسافة التي تفصل الرأي عن المسؤولية.

Developed by MONGID | Software House™