تابعونا
ميثاق الشرف والضبط العسكري: النزاهة من اسمى المبادئ التي يتوجب على كل عسكري الالتزام بها تحقيقاً للمصلحة العامة للدولة الفلسطينية، لتكون فوق أي مصلحة شخصية بما يقتضيه ذلك من الامتناع عن استخدام الصلاحيات الممنوحة للعسكري،من اجل تحقيق مصالح شخصية... المزيد
الرئيسة/  اسرائيليات

التقلبات في الوطن العربي والأمن القومي الإسرائيلي (ح 1)... اعداد/ عليان الهندي

2017-11-06

التقلبات في الوطن العربي والأمن القومي الإسرائيلي

مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية

إفرايم عنبر •

ترجمة : عليان الهندي – (الحلقة الاولى)

 

مدخل

وقعت أحداث دراماتيكية في الشرق الأوسط خلال العام 2011، حيث تظاهرت الجماهير العربية في الساحات من أجل التعبير عن غضبها من قادتها، ومطالبة بالإصلاح الشامل. ونتيجة هذه المظاهرات سقط حتى الان أربعة حكام مستبدين. لكن العالم العربي فوق صفيح ساخن، تعاني فيه الأنظمة الديكتاتورية من مازق كبير. ومن غير الواضح أين تسير الأحداث، لكن الأكثر وضحوحا هو أن هناك مستوى عال من عدم الوضوح السياسي.

 وتعتبر انتفاضات من هذا النوع جديدة على العالم العربي. ومع ذلك، ووفق مصطلحات السياسة الدولية، عدم الهدوء في الشرق الأوسط ليس سوى تعبير عن توجهات إقليمية أوسع موجودة منذ زمن طويل، حيث تمر الدول العربية بحالة ضعف، وتتحول دول مثل تركيا وإيران غير العربيتين إلى قوتين إقليميتين. وفي المقابل، يبدو أن الولايات المتحدة تفقد تأثيرها في المنطقة، والبيئة المذكورة تبشر بالسوء لإسرائيل.

تحاول هذه المقالة تقدير انعكاسات ما يجري في العالم العربي على إسرائيل وأمنها القومي. ويتكون البحث من ثلاثة أجزاء، يتحدث فيها الجزء الأول باختصار عن بعض العناصر الأساسية للمنظر الاستراتيجي الُمتكون حول إسرائيل، والمتمثل بضعف الدول العربية والتغييرات في ميزان القوى الإقليمي على ضوء تزايد تأثير القوى المتطرفة المعادية للولايات المتحدة في المنطقة، وعلى ما بدا أنه تراجع لمكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. أما الجزء الثاني من البحث فيركز على تأثير هذه الجهات على الأمن القومي الإسرائيلي، وعلى العناصر الأساسية للمحيط الجديد، المتمثلة بالتغييرات السريعة والمفاجئة الاستراتيجية المعبرة عن حالة من عدم الوضوح الكبير بخصوص: تصرفات قادة الدول المجاورة المستقبليين والحاليين، وانتشار الإرهاب، وتراجع قدرة الردع الإسرائيلية، وعزلها إقليميا، وتهديدات جديدة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وفي النهاية مسألة التحدي النووي الإيراني. ويركز الجزء الثالث من البحث، على الطرق المطلوب من إسرائيل اتباعها من أجل الاستعداد لمواجهة التحديات النابعة من تدهور المحيط الأمني لإسرائيل، ويتمثل ذلك بزيادة وسائل الدفاع العسكرية، وزيادة عدد الجيش النظامي خاصة سلاحي المشاة والبحرية، واستثمار متزايد في البحث والتطوير وفي بطاريات التصدي للصواريخ. بالإضافة لذلك، على إسرائيل، الإصرار على الحدود التي يمكن الدفاع عنها، وإيجاد حلفاء جدد لها في المنطقة، والمحافظة على شبكة علاقات خاصة مع الولايات المتحدة.  

البيئة المتغيرة

ضعف الدول العربية وارتفاع مستوى عدم الوضوح

تأثر العالم العربي خلال القرن المنصرم بالثقافة الغربية، لكنه لم يتهيأ لأسباب كثيرة، بالانتقال لعالم الحداثة. وحتى هذا اليوم، لم يتطور في أي دولة عربية نظام حكم ديمقراطي مستقر. وتوضح تقارير كثيرة صادرة عن الأمم المتحدة أن العالم العربي متراجع مقارنة مع المجتمع الدولي في كل ما يتعلق بالحريات المدنية والحقوق السياسية والتعليم والمساواة بين الجنسين والإنتاج الاقتصادي. وهذا الوضع المؤسف شكل الأساس في عدم الرضا والإحباط الذي وقف وراء الاحتجاجات الجماهيرية. ونظرا لعدم وجود ثقافة سياسية ليبرالية-ديمقراطية فإن تجمع الجماهير من أجل إحداث تغيير سياسي لم يكن متوقعا. وبالإضافة لذلك، فإن ما حدث لن يؤدي بالضرورة إلى الديمقراطية. ويشير تقديم "ثورة الياسمين في تونس واللوتس في مصر على أنهما نجاح للاحتجاجات الجماهيرية بطرح الديمقراطية والحرية والكرامة والعدالة، إلى عدم فهم التعقيدات السياسية في هذه المنطقة.

فعلى سبيل المثال، ثورة الأرز في لبنان التي قادتها جهات سياسية مؤيدة للغرب عام 2005 وصلت لنهايتها السريعة بعد أربعة أعوام، وعندما جرت انتخابات حرة أدت نتائجها إلى سيطرة منظمة حزب الله اللبناني على كل الدولة. ونفس الوضع انطبق على السلطة الفلسطينية التي جرت فيها الانتخابات بتشجيع خاطئ من الولايات المتحدة، أدت إلى شرعية مشكوك  فيها بالرئيس محمود عباس، وصعدت ديكتاتورية جديدة في قطاع غزة تمثلها حركة حماس. وتتحطم آمال العرب بحالة سياسية منفتحة أكثر وعادلة، عند كل انتخابات حرة، بسبب صعود حركة الأخوان المسلمين الذين لا يملكون أي التزام نحو أي نوع من الديمقراطية. ويمتلك الإسلام منذ نشأته قوة جذب ليست بسيطة، وهو جوهر الهوية التي يحملها معظم سكان الشرق الأوسط. وعليه، يعتبر الإسلاميين البديل الأساسي والحقيقي للديكتاتوريين الحاليين في الدول العربية، إما بانتخابات أو بثورة، لأنهم وفي معظم الحالات هم القوة السياسية الأكثر تنظيما بعد الحكومات المسيطرة. ونتائج الانتخابات في تونس ومصر تبرز بصورة واضحة هذا التوجه.

التأثير السياسي المتزايد للإسلاميين في الدول العربية من شأنه أن يدفع إلى تسلم السلطة أنظمة ذات توجهات ثورية مختلفة ومتنوعة. ومن سوء حظ جيران العرب، فإن الأنظمة ذات التوجهات الثورية تظهر تصرفات عدائية بعد صعودها للسلطة بعدة سنوات. وحتى لو نجحت الجهات الديمقراطية الضعيفة في العالم العربي ،ضد كل الاحتمالات، بإحداث مسيرة حقيقية نحو الدمقرطة، فإن الحديث يدور عن مسيرة تتضمن خطر للدول المختلفة. والدمقرطة عملية تستحق الثناء، لكن التاريخ يعلمنا أن الدول التي تمر بحالة انتقالية نحو الديمقراطية المستقرة تميل للحروب أكثر من الأنظمة ذات المؤسسات. فما البال عندما يدور الحديث عن أنظمة إسلامية ثورية أو أنظمة ديمقراطية في طور التشكل، وذلك لا يبشر خيرا للاستقرار الاقليمي. وحتى الان صمدت كل الأنظمة الديكتاتورية، لكن استمرار استقرارها مشكوك  فيه. وفي حالة السقوط، فإن البديل المطروح لهذه الأنظمة يلفه الغموض. والجرأة التي أظهرتها الجماهير العربية ضد حكامها المستبدين ومطالبتها بحكومات مسئولة أكثر تعبر عن رفض هذه الجماهير للواقع السياسي القائم. ومعنى ذلك، أن هناك إمكانية غير بسيطة في تدهور إضافي في المنطقة. وهناك دول أخرى تتمزق من الداخل بسبب عدم الهدوء والحرب الأهلية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى قيام دول فاشلة. ومثل هذه الكيانات إذا شكلت ستفقد مركز القوة فيها، ويتحول جهازها القضائي إلى جهاز ذي قدرة محدودة جدا، مع عدم القدرة على خلق مناخ قضائي واقتصادي يشجع المبادرات الشخصية والتجارة الحرة وضخ استثمارات خارجية، وصعوبة في تقديم الاحتياجات الأساسية للسكان في مجالات الصحة والتعليم وبقية الخدمات الاجتماعية. ودول مبشرة لمثل هذه السيناريوهات هي اليمن وليبيا. كما أن تفكك دول مثل العراق وسوريا –رغم أن الحديث يدور عن حالتين مختلفتين- ليس سيناريو بعيد التحقق أو خيال سياسي. ولا يستعبد أن تضطر الحكومات المسيطرة في العالم العربي على مواجهة تحديات داخلية متزايدة. ويشير عدم الهدوء وزيادة إمكانية الصوملة في هذه الدول، وإمكانية تقسيمها، إلى عمق الأزمة السياسية-الاجتماعية التي يمر بها العالم العربي وعلى التسارع المتوقع للتوجهات الموجودة فيها اليوم. كذلك نشهد مستوى عاليا من عدم الوضوح في كل ما يتعلق بالسياسة الخارجية لكثير من الدول، وهي حقيقة تعقد الحسابات الاستراتيجية لراسمي السياسات.

ميزان القوى الإقليمي

تسببت التقلبات في الوطن العربي بتوجهات إقليمية إضافية تمثلت في صعود قوى غير عربية في الشرق الأوسط، أي زيادة قوة إيران وتركيا وإسرائيل، على حساب الدول العربية. وأضعفت الثورات العربية الدول التي وقعت فيها، وأثرت على ميزان القوى الإقليمي. والدول العربية الكبيرة والمهمة جدا هي مصر والعراق وسوريا التي تواجه مشاكل داخلية معقدة. ويبدو أن السعودية والأردن قد تجاوزتا الأزمة، لكن لا يوجد شك أن عليهما الإصغاء أكثر لما يحدث في ساحتيهما الداخليتين. وباستثناء البحرين، التي تدخلت السعودية فيها عسكريا من أجل المحافظة على استقرارها، تظهر بقية دول الخليج مع أنظمة حكمها الملكية حصانة دبلوماسية أكثر من أخواتها العربيات ذات الحكم الجمهوري. وعلى أي حال، يتوقع أن تركز الدول العربية على مشاكلها الداخلية، من دون الاهتمام ببناء قوة قومية، بهدف إرسالها لخارج حدودها ومقاومة التأثير المتزايد لتركيا وإيران، التي رأت بما حدث في تونس ومصر واليمن وليبيا ثورات نقية وأخلاقية من وحي الإمام الخميني. وباركت طهران وأنقرة المتعاطفتان مع القوى الإسلامية المتطرفة ،الربيع العربي، خاصة المظاهرات ضد مبارك التي هدفت إلى إسقاط نظامه المؤيد للغرب. ولن تملك مصر الغارقة في مشاكلها الداخلية، طاقة جاهزة في الوقت الحاضر لمقاومة تطلعات وتأثير إيران وتركيا. وتخوض الدولتان صراعا فيما بينهما من أجل القيادة الإقليمية وتتطلعان للحصول على شعبية في صفوف العرب، الذي تلعب فيه مصر دورا حاسما. وعلاوة على ذلك، يتماشى التأثير المتزايد للإخوان المسلمين في مصر سويا مع التوجهات الأيديولوجية لزعماء إيران وتركيا، ولهذا السبب نتوقع أن يحدث تقاربا بين مصر الجديدة وإيران. كما أن خروج الولايات المتحدة من العراق الواقعة على الطرف الشرقي من العالم العربي يفتح الباب على مصراعيه لإيران وتركيا، وتستطيعان من خلاله التدخل في شئونها الداخلية ،بصورة أقل، من أجل إبراز قوتهما في العالم العربي.

وتدعم تركيا المعارضة السنية الإسلامية المعارضة للنظام العلوي في سوريا، والتي يعتبر سقوط نظامها ضربة قوية للنفوذ الإيراني، وفي نفس الوقت تعزيز لقوة تركيا. وتبرز حالة ضعف الاستقرار الذي تمر به سوريا المنافسة التاريخية بين إيران وتركيا في المنطقة، وهو ما يشير إلى ضعف القوة العربية من جهة، وتراجع تأثير الغرب من جهة أخرى. ورغم تشكيل سوريا نقطة خلاف أساسية بين إيران وتركيا، إلا أن هناك مجالات للتعاون بين الدولتين في مجالات كثيرة مثل: التعاون في موضوع الطاقة، معارضة القومية الكردية، تقاسم النفوذ في العراق، مساعدة الإخوان المسلمين في العالم العربي، وإظهار الولايات المتحدة على أنها غير فاعلة وسلبية في الشرق الأوسط. كما أن الدولتين تعاديان إسرائيل.

التراجع النسبي في قوة مصر، يزيد من القوة الصاعدة للسعودية، الدولة الوحيدة القادرة بمستوى معين على مواجهة التأثير التركي والإيراني. وعليه، لم يكن مفاجئا أن يصير  توازن القوى بالعالم العربي بهذا التعقيد، فعلى سبيل المثال نشاهد تعاونا سعوديا تركيا لإنهاء نظام حكم بشار الأسد الحليف القوي لإيران. ونجاح السعودية في البحرين بالحفاظ على الحكم السني فيها، شكل نموذجا إضافيا في محاولات التصدي للتأثير الإيراني. وفي هذا المجال، تحولت السعودية حليفا لإسرائيل تحت شعار "عدو عدوي صديقي".

كما أن إسرائيل ذات الديمقراطية المستقرة قوة غير عربية صاعدة، وهي أحد الأطراف التي تلعب دورا في ميزان القوى الإقليمي. والفوارق بين قوتها مع جاراتها العربيات تتزايد على مدار السنوات الماضية، خاصة في اعقاب التطور الاقتصادي الذي شهدته ونجاحها في تطوير جيش قوي ومسلح بتكنولوجيا متطورة. وإسرائيل اليوم، هي حليف الولايات المتحدة ويرتبط مصيرها بمصير مكانتها في العالم والمنطقة. ولأن القاهرة وأنقرة تقلص توجهاتهما المؤيدة للولايات المتحدة وتجمدان علاقتهما مع القدس، سيترتب عليه تدهور في ميزان القوى الإقليمي، كان يميل سابقا بشكل واضح لصالح إسرائيل.

والمفتاح لمستقبل ميزان القوى الإقليمي يتركز في إمكانية تحول إيران لدولة نووية. وفي حالة تحقق ذلك، تتغير كل المعادلات –والتعبير المقبول هو game changer- ويؤثر على مصير كل المنطقة.  

تراجع تأثير الولايات المتحدة

أكدت الأحداث التي وقعت في الشرق الأوسط أواخر 2011 على التراجع المتواصل في مكانة الولايات المتحدة بالمنطقة. ويعود جزء من تراجع مكانة الولايات المتحدة إلى الأعمال المقصودة التي اتبعتها إدارة أوباما، التي أمرت بانسحاب متعدد الجوانب ... بهدف تقليل التزامات الولايات المتحدة في العالم، وإعادة بناء مكانتها في العالم ونقل جزء من الأعباء التي تحملها إلى حلفائها في العالم. ويعود الجزء الآخر من تراجع مكانة الولايات المتحدة إلى الرد المرتبك المليء بالتناقضات وغير الثابت لإدارة أوباما في تعاملها مع التطورات والأحداث في العالم العربي. وأول ارتباك كان المطالبة الفورية برحيل مبارك، الذي اعتبرته كل الدول بدون استثناء، خيانة من قبل الولايات المتحدة لصديق مخلص وحليف، كما أن الانتقادات الأمريكية للتدخل العسكري السعودي بالبحرين (مارس 2011) تسبب في رفع العواصم العربية رأسها في مواجهة المطالب الأمريكية. كما احتار الكثيرون في الشرق الأوسط من الرد المتردد لواشنطن على المظاهرات التي وقعت في ليبيا، عندما تركت مهمة إسقاط القذافي لحلفائها الأوروبيين. وترك القذافي غريب الأطوار الذي اعتبر حليفا للغرب وفق الحسابات العامة حيث سلم في عام 2003 كل أسلحة الدمار الشامل التي بحوزته والتي كانت مفاجاة. واشنطن لم تفهم بأن العبر التي استخلصها قادة الشرق الأوسط من تعامل الولايات المتحدة مع ليبيا، هو أن منع التدخل العسكري الغربي في الدول العربية يتطلب منها السير وفق سياسة إيران وكوريا الشمالية اللتان تواصلان خططهما لتطوير أسلحة نووية. ومقابل ذلك، لم ينل القمع الوحشي للمعارضة المحلية من قبل الأنظمة المعادية لأمريكا مثل إيران ودمشق، سوى انتقادات أمريكية مترددة ومتأخرة من جانب إدارة أوباما. كما أن قرار الولايات المتحدة في تموز عام 2011 بفتح حوار مع الإخوان المسلمين المعادين للغرب بمصر وقد ساهم ذلك في تراجع مكانتها كلاعب سياسي متحكم وحليف مخلص. ورغم وجود قيادات غربية تقول أن الإخوان المسلمين ليسوا معادين للغرب، لا يوجد شك بأن قادتهم المنتشرون في الشرق الأوسط يرون بأمريكا عدوا مريرا.

ويرى زعماء الشرق الأوسط بأن أمريكا المنسحبة من العراق وأفغانستان تتعامل بشكل متسامح (هكذا ترى سياسة Engagement في شئون الشرق الأوسط) مع الذين يعادونها – أي إيران وسوريا، وتتخلى عن الزعماء الذين يعتبرون أصدقائها. كل ذلك يعزز الرؤية العامة التي تقول أن السياسة الخارجية الأمريكية ضعيفة ومرتبكة.

وعلاوة على ذلك، تنتشر القوة العسكرية الأمريكية بشكل ضعيف وهي محدودة الميزانيات. وفي النهاية، زيادة قوة الشارع العربي تؤدي بالضرورة إلى تزايد قوة الدول والتيارات المعادية للولايات المتحدة. وتعتبر أمريكا (وحليفتها إسرائيل) كبشا فداء مفضل في الشرق الأوسط، نظرا للمشاعر العميقة المعادية للغرب، ويتبنى العرب بزوغ عصر الإسلام. كما يتساءل الإسرائيلي، هل أمريكا مهيأة لطرح موقف استراتيجي والوقوف لجانب حلفائها ؟. فالعداء الذي أظهرته إدارة اوباما لحكومة بنيامين نتنياهو عزز حالة الاستغراب من السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط. وعليه، يوجد اليوم اتفاق عام متزايد ويشارك فيه أصدقاء امريكا وأعدائها بأن الرئيس الأمريكي باراك اوباما لا يفهم الشرق الأوسط.

الرد الأمريكي المتردد والمرتبك على عدم الهدوء في الدول العربية المختلفة، وعدم فعاليتها في كل ما يتعلق بالإجراءات الداخلية المعقدة في المنطقة، دفع نحو تراجع إضافي بمستوى تأثيرها في المنطقة. لكن هذا الوضع هو مؤقت فقط، حتى الدول العربية الغاضبة منها مثل السعودية ستواصل الاعتماد عليها بدرجة كبيرة وبوسائل مختلفة. ونفس الوضع ينطبق على الدول التي تحاول إجراء تغييرات مثل مصر، فهي تحتاج للمساعدة والدعم الأمريكي –ويجب التذكير أنه لا توجد دول عظمى كثيرة تستطيع تقديم مساعدات مثل الولايات المتحدة. وتغيير بالبيت الأبيض عام 2013 يجدد الثقة بالولايات المتحدة.

الانعكاسات الاستراتيجية على إسرائيل

من وجهة نظر إسرائيلية، تعتبر التوجهات الحالية في الشرق الأوسط توجهات غير ايجابية. وفي السياق المذكور عبر رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في أكثر من مناسبة عن مخاوفه من مستقبل "الربيع العربي". ورغم قوتها العسكرية والاقتصادية، تعد دولة إسرائيل دولة صغيرة ومواردها محدودة وقدرتها على التأثير في محيطها محدودة. ولا تستطيع إسرائيل تحقيق ما وصفه أرنولد ولفيرس "أهداف محيطة" (milieu goals). وعلاوة على ذلك، وكونها قوة عظمى بحكم الأمر الواقع، أظهرت إسرائيل قليلا من الرغبة للقيام بأي دور قائد في المنطقة. ورغم أن إنهاء النزاع مع العالم العربي كان منذ نشأتها عنصرا دائما في سياستها الخارجية، إلا أن رغبتها بالاندماج في الشرق الأوسط لم تكن هدفا جذابا لإسرائيل. ولإسرائيل تأثير معين في السياسة الدولية في الشرق الأوسط، لكن عليها التعود على التطورات في العالم والمنطقة وعدم محاولة رسم توجهات تسير فيها المنطقة. وفي المقابل، عليها التركيز في التهديدات القادمة والاستعداد لتقديم الردود المناسبة لها.            

مفاجآت إستراتيجية

على مدار السنوات الماضية بنت إسرائيل جهاز استخبارات كبير وذكي، لكن هذا الجهاز فوجئ مرة أخرى من وتيرة الأحداث التي وقعت في الشرق الأوسط. وفي السنوات الأخيرة، بدأ مبارك يشيخ وبدا صراع الوراثة من حوله، ونتيجة ذلك سمعت آراء في إسرائيل أن مصر تتحول لإيران القريبة لنا. لكن هذه الاراء لم تأخذ بعين الاعتبار، لأن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي والخبراء الأكاديميين توقعوا دائما أن انتقال السلطة في مصر سيتم بصورة هادئة. وبشكل مشابه، فشلت إسرائيل في توقع قوة المعارضة السورية. وما جرى يذكر بقوة التغييرات السريعة في الشرق الأوسط، وبحجم عدم الوضوح السياسيى السائد فيه. ومفاجآت استراتيجية غير معقولة يمكن أن تحدث، وعدم القدرة على توقع المستقبل يطرح مستوى من عدم الوضوح والحاجة إلى الاستعداد لعدة سيناريوهات، خاصة الأكثر تطرفا. ويجب الاستعداد لتوقع حدوث السيناريوهات غير المتوقعة.

العزلة الإقليمية

أثر توقف مبادرات السلام الخاصة بالمنطقة، وازدياد تأثير قوة التيارات الإسلامية، وتراجع مكانة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، على مسيرة السلام التاريخية بين إسرائيل والدول المجاورة لها. يذكر ان مسيرة السلام التي وافق عليها العرب –قبلوا بإسرائيل بتحفظ وبحكم الأمر الواقع- جاءت بعد تفهمهم بأنه لا يمكن تدمير إسرائيل بالقوة، ليس فقط بسبب قوتها الكبيرة والمتزايدة، بل بسبب مكانة وقوة الولايات المتحدة في المنطقة، التي لعبت دورا دبلوماسيا مهما في جلب الأطراف العربية إلى طاولة المفاوضات، وفي تقليص الفوارق بينهم، وفي تقديم خطوات لتقليل مخاوف إسرائيل من أجل تحمل مخاطر من أجل التوصل لسلام. لكن إدارة أوباما تملك قدرات إقناع أقل ،على عكس الإدارة السابقة، وعندما حاولت تعويض القدس من أجل تقديم تنازلات تحتمل مخاطر أمنية. كما ان الموارد المالية لإدارة أوباما محدودة أكثر، وتملك القليل من المبررات لإغراء إسرائيل بتحمل مخاطر في إطار مسيرة السلام.

اليوم، تتعرض اتفاقيات السلام مع مصر والأردن لضغط شديد، مع تحول القوى المعادية لإسرائيل، خاصة القوى الإسلامية، إلى أصحاب أكبر تأثير في الشرق الأوسط. وحتى لو لم يحدث تغييرا قريبا في مصر، لا بد من التذكير أن الإدارة المصرية الحالية أضعف من سابقتها، وليست معنية باحترام علاقاتها مع إسرائيل. ومعنى ذلك، أن السلام البارد سيزداد برودا. وبشكل مشابه تحاول الأردن حذو مصر، من أجل عدم تعرضها للانتقاد من جانب المعارضين المتطرفين.

المأزق الذي وصلت إليه مسيرة السلام مع الفلسطينيين يزيد الوضع صعوبة. فالسلطة الفلسطينية تمر اليوم بأزمة بعد سيطرة حماس على غزة في حزيران عام 2007، ما أدى لانقسام الكيان السياسي الفلسطيني. وردا على التأثير الإسلامي الإقليمي المتزايد، وقعت قيادة السلطة بالضفة في شهر أيار عام 2011 على اتفاق مصالحة مع حماس، في محاولة للم الشمل الداخلي، لكن يواجه تنفيذ الاتفاق عدة عقبات بسبب الفوارق الجوهرية بين الطرفين. وفي المقابل، تعزز حماس قوتها في الساحة الفلسطينية، ما يؤدي لتقليل احتمال –الضعيف أصلا- جسر الهوة في المواقف بين إسرائيل والفلسطينيين. وعمليا رفضت السلطة الفلسطينية الاستجابة لطلب الولايات المتحدة العودة لطاولة المفاوضات، واختارت ردا أحادي الجانب تمثل بالتوجه للأمم المتحدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية. وبشكل مشابه، الانفجار السياسي في سوريا يمنعها من التحول شريكا للسلام، تؤخذ التزاماته بجدية.

ويعتقد أن الدول غير المتطرفة في العالم العربي ستختار إنعاش التعاون مع إسرائيل من ناحية عملية وبواسطة قنوات سرية، أو تقلص هذه الدول اتصالاتها مع الدولة اليهودية. وأصبحت الدول العربية الضعيفة أكثر عرضة للتدخل من قبل إيران المتطرفة، من خلال دعمها للتيارات الإسلامية المعارضة للتقارب مع الدولة اليهودية. وعلى سبيل المثال، الحكومة الجديدة في تونس التي يعلب فيها التيار الإسلامي دورا مركزيا تستعد لإقرار دستور جديد، يتبنى بندا يشجب فيه الحركة الصهيونية، ويرفض أية علاقة مع إسرائيل. وتعتمد القوى المتطرفة في الشرق الأوسط على النجاحات الأخيرة للإسلاميين، وعلى ما يعتبرونه تراجعا أمريكيا في المنطقة. والنتيجة التي توصل إليها الإسلاميين هي أن معارضتهم للولايات المتحدة أخذت طابعا قانونيا بفعل المظاهرات المؤيدة لهم في العالم العربي. كما أن قادة الدول العربية الذين ما زالوا يؤيدون الولايات المتحدة يدركون أن الدعم الأمريكي ليس أمرا يمكن الاعتماد عليه. ونتيجة ذلك، يبتعدون عن الولايات المتحدة وحليفتها إسرائيل.

وعلاوة على ذلك، لا يشجع الشرق الأوسط الجديد إقامة السلام، التي تجمدت على حراسها. ولا يعتقد أن المجتمع الدولي الذي يتوقع تقدما في مسيرة السلام سيتقبل هذه الأخبار السيئة بسهولة. ويعتبر جزء كبير من المجتمع الدولي إسرائيل دولة رافضة للسلام، الأمر الذي يعرضها للضرر. وتعرض الرؤية المذكورة مكانة إسرائيل للضرر باعتبارها ذخر استراتيجي للغرب في المنطقة المشتعلة وغير المستقرة.

وبالإضافة لذلك، فإن القوى الإقليمية غير العربية في الشرق الأوسط تزداد قوتها في المنطقة وهي ليست صديقة –تركيا وإيران- لإسرائيل. وأدت التغييرات الداخلية –التي لا تستطيع إسرائيل التأثير فيها- إلى تشدد في السياسة الخارجية لهذه الدول، التي كانت في السابق من حلفاء دولة إسرائيل. وبشرت الثورة الإيرانية عام 1979 بصعود نظام حكم ديني معارض لإسرائيل. أما تركيا فقد أدى تعزيز حزب العدالة والتنمية لمراكزه في قيادة الدولة في أعقاب سلسلة انتصارات حققها في الانتخابات العامة (2002، 2007، 2011) إلى انتقال هذه الدولة ،الأساسية في أهميتها، إلى المعسكر المعادي لإسرائيل.

كل ذلك يبشر بزيادة العزلة السياسية لإسرائيل في المنطقة.  (يتبع)

Developed by MONGID DESIGNS