تابعونا
النزاهة من اسمى المبادئ التي يتوجب على كل عسكري الالتزام بها تحقيقاً للمصلحة العامة للدولة الفلسطينية، لتكون فوق أي مصلحة شخصية بما يقتضيه ذلك من الامتناع عن استخدام الصلاحيات الممنوحة للعسكري،من اجل تحقيق مصالح شخصية
الرئيسة/  دراسات

الـوطــنـيـة الــفـلـســـطــيـنـيـة والــدولــة الــقــائـــمــة ...... بـقـــلـــم : الـعـمـيـد / مـنـذر الــــــمـحـتـسـب

2018-09-30

 

الوطنية الفلسطينية والدولة القائمة

بقلم :  العميد / منذر المحتسب

                                                       

**اصطلاح الوطن ** 

 تعريف كلمة "وطن" يعود للتحديد المكاني والبقعة والمساحة التي تتحدد عبر ممارسة الانسان لحياته منذ لحظة ولادته ونشأته وصباه وتطوره اجتماعيا واقتصاديا حتى شيخوخته بما يتبع ذلك من تفاصيل أساسية وفرعية لحياته ومعاشه ،وسلوك ذلك بروحية انتماء وولاء لهذه البقعة،  ومع تبلور مفهوم الوطن تعمقت أشكال الولاء للوطن المحدد في ثقافته ووجدانه بـ"حدود وسيادة وجيش"، وبطبيعة الحال تكون حالة الانتماء للوطن والدولة القائمة مكانا يفخر المواطن بولائه له لكونه يسكن فيه، وقد رأى ابن منظور في لسان العرب ان الوطن في اللغــــة هو :المنزل الذي يقيم فيه الإنسان ،وهو موطنه ومحله ،يقال "أوطن فلان ارض كذا وكذا" أي اتخذها محلا ومسكنا يقيم فيه، والفعل منها "أوطن" أي اتخذها محلا ومسكنا يقيم فيه، واسم المكان من الفعل أوطن موْطِن، ولكل من علماء اللغة تعريفه الخاص من حيث الكلمات ولكن كل لها منزلتها في الاستدلال الى ما ترمي اليه، ولذلك لا يختلف المضمون لدى ابن منظور عن غيره من علماء اللغة كالجرجاني الذي قال أن الوطن الأصلي هو مولد الرجل  والبلد الذي هو فيه.

وللكلمة معنى واشتقاقات متداولة باتساع المدارس اللغوية والفكرية وغيرها، حيث انتشرت كلمة الوطن والوطنية والتوطن والمواطنة في العلوم الانسانية والاجتماعية وفي أشعار واصدارات المثقفين والعلماء لتحديد فكرة ما :في شعر او نثر او خاطرة ،وحتى في قصة من روائع الانتاج الادبي تعبيرا عن حب الوطن والحفاظ عليه والدفاع عنه، وتحولت تلك الى أغان ومعزوفات تتداولها الالسن والحناجر لنفس الغاية، فأغنية موطني التي ألف كلماتها الشاعر ابراهيم طوقان كانت تعبيرا عن حب الوطن – بغض النظر عن مسماه- واصبح يتغنى بها العديد من الفنانين وهواة الغناء تعظيما للوطن ورموزه، وما كان لكلمات الشعراء والكتاب أن ترمي الى هذا الشغف بكلماتها ومعانيها وتناغم الألحان معها لولا تولد الشعور بالوطنية وحاجة بني البشر - جماعات وفرادى- اليها، إذن الوطنية هي الشعور بوجدان عاطفي انفعالي فكري تكون لدى كل فرد قبل أن يكون قائدا او جنديا او وزيرا او مديرا أو شرطيا لأنه في النهاية مواطن له حقوق وعليه واجبات تجاه الوطن تحركه مشاعره الوطنية لجمع مصلحته الذاتية مع مصلحة وطنه كونه الحضن الحامي له ولحاجاته.

** الوطنية **

الوطنية :موطئ مشاعر وحكاية ذاتية تكتنزها الذاكرة بما تحمل من عواطف وميول وآمال وآلام، وفي التقاء هذين الجانبين تستوفى شروط الاحساس الاولى بمعنى الوطنية حين يشعر الانسان وهو المواطن بما يملأ أفكاره وحواسه، وينقلها لغيره عبر التجانس الفكري والاجتماعي والاقتصادي والبيئي لممارسة حياته بمواطنة تتخللها حركته وسلوكه وحفاظه على كل عوامل البقاء والإعتياش والتفاعل ضمن منظومة ارتجالية عشوائية أو محكومة بسلسلة من الاحكام والقوانين حسب التركيبة الثقافية والسياسية للإقليم وحسب مستوى الوعي الوطني المجتمعي والمؤسسي للسكان.

من عناصر الاندماج الأساسية في العصور السابقة وفي زمننا الحاضر الانتماء والانضمام الى الأرض التي يولد فيها الانسان ويتكيف مع تضاريسها وبيئتها وطبيعتها وما يمثله هذا التكيف من علاقات متبادلة بين الارض والانسان وجماعته، يتأتى ذلك عندما  يكون للمرء طموحات ذاتية تتماشى مع مصالح الوسط البشري الذي يعيش فيه، ومن ثم يتناغم مع ذلك عامل الاندماج البشري بين الافراد أنفسهم سواء داخل المجموعة المتجانسة أو بين المجموعات البشرية المختلفة.     

  ان الاندماج السكاني والأهلي هو ما يميز العلاقات بين المجموعات البشرية المقيمة في بقعة ما وتتبعه سلوكيات عشوائية متوافقة حينا او متضاربة حينا آخر، ومع التطورات التي دخلت على ذهنية البشر واحوالهم تراكمات من التجارب والحياة المتآلفة داخل العائلة الواحدة ثم بين الجار وجاره وبين أبناء البلد والمخيم الواحد بعيش مشترك ومواجهة المحن ضمن نسيج اجتماعي تطور الى تكوين مفاهيم وسلوكيات جماعية وفردية محورها قواسم مشتركة ألفت بين التوجهات المختلفة والمصالح المتضاربة لتسير الامور الى نشوء القبائل او العشائر والبلدات والمدن والقرى والتجمعات البدوية مشكلة إطارا موحدا محسوسا ضمن بقعة متجانسة في التضاريس والمساحة والمناخ، حتى اجتمعت على التصاهر والتبادل التجاري لتشكل بعدها إقليما يجمعها على تآلف كتلي بالتقاء مصلحي أو ثقافي عشوائي ديني او عشائري، ومن ثم سياسي وحد بينها حتى تبلور الاحساس الوطني المبني على الاندماج بين المصالح والتقائها أو تنافرها أحيانا إلى أن انتجت العقلية البشرية ،وبناء على التطورات الثقافية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية مسميات تواترت ونضجت عبر الزمن مثل العشيرة أو الديرة القرية الخربة البلدة المدينة الإقليم الوطن  ومن ثم الدولة.

** المواطنة والوطنية **

 هنا نشأت الاهتمامات المشتركة بين الأمم وفق وحدة التجربة بين مكونات كل إمة ،وقد ولدت عناصر التكون العرقي والديني والمصلحي والمذهبي والقبلي تحت مسميات سكانية أنشأت اقليما أو دولة نسبة للبلد الذي يقيم فيه سكان متجانسون وطنيا وثقافيا واقتصاديا، وتشكلت الوحدة الجغرافية وتألف معها الحضن الأوسع لجميع الساكنين في هذه الوحدة الجغرافية التي تطورت الى مسمى "وطن ودولة قامت على الفرز الاجتماعي"، حيث أوجد ذلك عوامل الانسجام الثقافي والفكري لتتبلور المواطنة والتميز بها في التمسك برموز موحِدة جامعة للسكان.

 أخذت المواطنة تتجسد  تلقائيا كوسيلة للتآلف الوطني والدفاع عن الحدود والسيادة ومواجهة التحديات، والتعامل بأنماط سلوكية بناءة تعبر عنها، ولذلك فالمواطنة وحدة سلوك وتفكير ايجابي مع الجماعة لأجل إحداث منهج واحد في التواجد بروحية خلاقة ضمن المجموع، وتتطلب المواطنة من المواطنين الحرص على التمسك بوحدتهم ووطنيتهم  وخاصة في المحن والأزمات التي تواجهها دولتهم وبالتالي تشكيل مدافعين وحرس لمصالح الوطن لتتحول الى جيوش نظامية دافعها الحماية الذاتية والجماعية.

 وتتبين هنا المواطنة الصالحة التي لا مرجع لها ولا تحتاج الى فتوى أو دافع شخصي او مذهبي، ليكون الارتباط فقط بالجوانب الجامعة للأفراد كالعلم والنشيد ووحدة وقوة الإقليم وما فيه من موارد ومصالح والحفاظ على ما يمتلكه من مقدرات وثروات طبيعية، حيث ينسجم الفرد بمواطنته في هذه المعادلة بإمكاناته الذاتية وابداعاته سعيا للبقاء والثبات والعيش بأمان ،وهنا تلتقي صحة المواطنة مع عنصر السيادة حيث أن السيادة ليست فقط بالسيطرة والجيش وانما بصفاء وطنية ومواطنة الانسان تجاه بلده، ومن هنا فقط يمكن الحكم على صدق وطنية ومواطنة الانسان بالتزامه ببلده حرا قويا مستقرا ،والاهم قوة جبهته الداخلية التي يعد المواطن الصالح ركيزتها الاولى.

كما أن المواطنة تبدأ من الالتزام الوطني بالواجبات والمسؤوليات وإبراز التمسك بها كطريق لنيل الحقوق، فحقوق المواطن ثابتة ولا لبس فيها كحقه في التعليم والصحة والعيش بأمان واستقرار، وحقه في الوصول والتمتع بموارد بلده بسهولة ويسر وحقه في المشاركة في الانتخاب، والقيام بالواجب سبيل واضح لنيل الحقوق في الدولة المستقرة لأن الدولة (المؤسسة الأولى في الوطن) هي المسؤولة عن تنظيم العلاقات بين الوطن والمواطن، وعلاقة المواطن بغيره داخليا وخارجيا، وبالتالي هي المسؤولة عن حمايته وتوفير احتياجاته وتنمية دوره ودور المؤسسات المختلفة.

**الدولة سياج الوطن** 

ان مفهوم الدولة المدنية هي أسمى ما ينشده أي مواطن يعيش ويريد ان يعيش بحرية وكرامة ضمن حدود آمنة وفي بيئة نقية، في عملية متبادلة النفع ما بين هذا المواطن وبين دولته وهي توفر له الامن والامان والوسائل المتاحة والممكنة من مؤسسات واجهزة الدولة، فالوطن كحضن وموطئ قدم ومسقط رأس وتفاعل يومي مباشر للإنسان شكل ويشكل مآل النفس ومجموعة مشاعر وأحاسيس تلتقي مع سلوك فعلي ذهني وفكري فردي وجماعي يبرز في ممارسة الحياة بالشكل اليومي، وما يتخلله من تعاون وميول وعيش مشترك  بين الموطنين بسلوك منظم في وحدة جغرافية وسياسية طبيعية واحدة وبانتساب واعتزاز بالماضي والحاضر، يجب ان يتطور كل ذلك إلى مفهوم الدولة الحامية والمسَيِرة والمنتجة لكل عناصر السلوك البناءة والمبدعة لتشكل الحضن الدافئ لكل مكوناتها من أفراد ومؤسسات منتجة لخير هذا الوطن ومعبرة عن طموحاته وآماله وتطلعاته عبر اتصالات وعلاقات هذه الدولة مع جميع الأطراف التي تخدم تطور وتنمية هذه العلاقات.

الوطن جامع لكل المكونات وان اختلفت الأهواء والملل، والحكمة من ذلك ان الوطن بحدوده ومكوناته انما يقدم لساكنيه ما يحتويه من موارد مادية وتضاريس وحماية وطنية بسياج يمكنه من إثبات وجوده والتعبير عنها بالاستفادة والإفادة في علاقة جدلية تبادلية، حيث أن الاستفادة من الدولة وسيادتها كثيرة ينبغي الأخذ بها في بنائه وتمتينه بانتماء ومثابرة بما يرمز اليه من علم وجيش ونشيد ودولة قادرة على فرض سيادة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية منسوجة باسم الوطن وتعبيراته المتصلة بها.

 ان الوحدة الجغرافية والتضاريسية المناسبة لمجموعة من سكانها تحقق لديهم شعورا وافيا بالاستقرار والتطور، فالوطن بوحدته الجغرافية وتضاريسه الملائمة لمتطلبات السكان واحتياجاتهم البيئية والاقتصادية هو ما تتحقق فيه أولى هذه السبل وما تلاها من عوامل أخرى من حيث النظام والأمان الذاتي والجماعي، يضاف اليها عناصر الاحساس الجماعي والفردي بالانتماء والولاء والاعتزاز بكل ما يرمز لهذه الوحدة الجغرافية كالمسمى والهوية والنشيد والعلم والجيش والقيادة المنتخبة.

مكونات الوطن تتشكل وفقا للعلوم الانسانية والاجتماعية من الشعب والإقليم والسلطة الحاكمة لهذا الاقليم، حيث إن صَهر هذه المكونات يخلق دوافع معنوية وموضوعية تستقطب أفراد الشعب بجهود فردية أو جماعية تفضي إلى اندماج حيوي مع المكونات الأخرى ولاء  وانتماء وتتمثل في ما يتفقون عليه ويتمسكون به كتراث وقيم وقواسم مشتركة، وهي عوامل توحيد تثبت بثبات الأفراد عليها حيث انها بمجرد الحفاظ عليها تجمع ولا تفرق منها:

  1- الهوية الوطنية الواحدة وما تمثله من ارتباط وثيق باسم وجغرافية المكان.

  2- الاقتران النفسي والوجداني بمفهوم الولاء والانتماء للأرض.

  3- امتلاك مقومات البقاء والثبات على الهوية والأرض.

  4- المشاركة الجماعية في كيفية التعامل مع الهموم والتحديات والطموحات والتطلعات.

  5- التحلي بالمسؤولية  تجاه قضايا الوطن والتعبير عنها سلوكيا ووجدانيا.

**فلسطين وطن الفلسطينيين الأول والأخير**

من أوضح عوامل تعزيز الوطنية الملتزمة والصادقة هو الشعور الوطني بالانتماء للأرض وللهوية الفلسطينية والتعبير عن ذلك لدى قطاعات كثيرة من أبناء شعبنا الفلسطيني في كل مكان تواجد فيه سواء في الأراضي المحتلة او في الشتات، ففي الأرض الفلسطينية المحتلة عاش الفلسطينيون، وهم المتواجدون ماديا وروحيا على هذه الأرض، وهم من تجذروا فيها حتى النخاع، وقد عاشوا فيها في جميع الظروف والاحوال وما زالوا راهنين بقاءهم فيها بوطنية صادقة وشعور فطري بالصمود رغم ما يعانوه من بطش الاحتلال وإذلاله وسياساته المستمرة في الاستيطان والهدم والتشريد.

التحلي بالصبر والثبات والتعامل مع جميع أشكال الظروف الحياتية والمعيشية الناتجة عن سياسات المحتل هو ما ميز بصورة منقطعة النظير وقفة الانسان الفلسطيني صامدا ثابتا امام أصعب الأوضاع الانسانية والاقتصادية، وكل ذلك بدافعية دفينة في نفسه نتيجة الربط بين مصيره ومتطلباته كإنسان، هو الشعور بالمسؤولية والواجب بالحفاظ على نفسه وعلى من حوله بتجميعهم حول فكرة واحدة غير مجزأة، بأن قوة التحمل والثبات تأتي عبر الإرادة الوطنية الذاتية التي تعتمر في نفسه والتي يجب ان ينقلها للأجيال لأجل غرس حب الوطن وأرضه باعتبارهما عوامل ثبات وصمود أساسية في سبب بقائه وتجذره بأرضه.

ان فلسطين قائمة بأبنائها الثابتين على أرضها والمتمسكين بهويتهم الفلسطينية وبحقوقهم الثابتة واصرارهم على التعبير عن مواطنتهم بكل أشكال الصمود، وقد كانوا ولا زالوا يكابدون العيش والحركة في أرجاء وطنهم واستغلال ما أمكنهم ذلك رغم كل الظروف ليثبتوا للقاصي والداني أن هذه الأرض هي فلسطينية عربية لا يمكن محو هويتها ليس فقط بالشعارات بل بسلوك كافة أشكال المواطنة والعيش والتطور والازدهار والتنمية وتخطي كل العقبات، هم يرابطون ويتشبثون بكل شبر من الأرض، ويحافظون على إرث آبائهم وأجدادهم ويعبرون كل يوم وكل ساعة عن وطنيتهم وانتمائهم لتراب أرضهم دون الاكتراث بما يقوم به الاحتلال، وسقوط الألاف من الشهداء وأسر عشرات الآلاف من الأسرى، ومواصلة نضالهم كان ولا يزال وسيلة للحفاظ على ما اكتنز في عقولهم ووجدانهم في وطن وان كان محتلا وتنهشه آلة الاحتلال الاستيطانية العمياء.

وقد أفضى نضال شعبنا الى قيام دولة فلسطينية وباعتراف غالبية دول العالم بها بعد كل ما عاناه شعبنا من قيود الاحتلال المستمرة حتى في ظل إعلان هذه الدولة ، وهنا مكمن الأهمية لقيام وترسيخ الأهمية لإعلان قيام الدولة الذي بدأه الشهيد الراحل القائد الخالد ياسر عرفات في المجلس الوطني في الجزائر عام 1988، وقد أدرك بحكمته أن الدولة هي سياج للوطن ولنضالات الآلاف من الشهداء والأسرى وعذابات شعبنا على كافة الصعد وفي الداخل والخارج ، جاءت هذه الخطوة لتشكل صمام أمان لحلم شعبنا في الحرية والاستقلال وجاءت منظمة التحرير الفلسطينية بالسلطة الوطنية لتتوج هذا الاعلان بإقامة الدولة فعليا على أرض الوطن رغم الاحتلال وسعيا لإبراز الهوية الوطنية الفلسطينية بدولة تنشأ بسواعد الأحرار وسيكون مصير الدولة الاستقلال والحرية.  

Developed by MONGID | Software House