تابعونا
ميثاق الشرف والضبط العسكري: النزاهة من اسمى المبادئ التي يتوجب على كل عسكري الالتزام بها تحقيقاً للمصلحة العامة للدولة الفلسطينية، لتكون فوق أي مصلحة شخصية بما يقتضيه ذلك من الامتناع عن استخدام الصلاحيات الممنوحة للعسكري،من اجل تحقيق مصالح شخصية... المزيد
الرئيسة/  اسرائيليات

التقلبات في الوطن العربي والأمن القومي الإسرائيلي (الحلقة الثانية والاخيرة)... اعداد/عليان الهندي

2017-11-13

التقلبات في الوطن العربي والأمن القومي الإسرائيلي

مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية

**إفرايم عنبر

ترجمة : عليان الهندي – (الحلقة الثانية والاخيرة)

 

تراجع في قدرة الردع الإسرائيلية

يعتبر التراجع في مكانة الولايات المتحدة في العالم بشكل عام، وفي الشرق الأوسط بشكل خاص، مجرد حالة مؤقتة، وقد تستمر حتى المستقبل القريب. ويؤثر هذا التراجع سوء في قدرة الردع الإسرائيلية، المتعلقة بعناصر أخرى ليس لها علاقة بقوة الردع الإسرائيلية، وبقدرتها على الانتصار في الحروب التقليدية، وفي النزاعات ذات المستوى المنخفض. والمعلومات بأن الولايات المتحدة ستهب دائما لمساعدة إسرائيل وقت الحاجة وهذا اعتبر عنصرا مهما في قدرة الردع الإسرائيلية. لكن إدارة أوباما خيبت آمال حلفائها في الشرق الأوسط، وعلاقاتها الودية مع إسرائيل ليست مفهومة. ومعنى ذلك، أن إسرائيل لا تستطيع اليوم الاعتماد بشكل مطلق على المساعدة الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية غير المشروطة من واشنطن في حالة تعرضها لهجوم. وعلاوة على ذلك، استخدام إسرائيل للقوة في أي هجوم استباقي -الذي يعتبر احد الأعمدة الأساسية في الأمن القومي- يزيد العلاقات بين اسرائيل والولايات المتحدة  توترا. واستخدام القوة في هجوم استباقي ليس شأنا جديدا، فاليوم قد تضطر إسرائيل لشن عمل عسكري ضد حماس أو حزب الله أو إيران.

وتجد إسرائيل عزاء لها بحقيقة واحدة، وهي أن أزمة الشرق الأوسط تثبت مرارا وتكرارا أن إسرائيل هي الحليف الوحيد والاستراتيجي للولايات المتحدة التي يمكن الوثوق بها في المنطقة، وستتحول في المستقبل للمكان الوحيد في الشرق الأوسط الذي تستطيع فيه الطائرات الأمريكية الهبوط فيه بأمان. كما أن الموانئ الإسرائيلية ستتحول في المستقبل للمكان الوحيدة التي تستطيع الولايات المتحدة الاعتماد عليها في التخطيط لعملياتها العسكرية في حوض البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك، لا تحول هذه الحقائق تصريحات الولايات المتحدة بخصوص التزامها بأمن إسرائيل لأمر يمكن الاعتماد عليه وكأنه أمر مسلم به.

وعلاوة على ذلك، لا يوجد لإسرائيل اليوم حليف بديل عن الولايات المتحدة، ومن غير المعقول تراجع سيطرتها العالمية خلال العشرون عاما القادمة على الأقل. ولهذا السبب على إسرائيل التعامل مع الولايات المتحدة بحذر في السنوات القريبة، خاصة إذا فاز أوباما في الانتخابات التي ستجري عام 2013. 

وفي المقابل، فإن تراجع قوة الردع الإسرائيلية سيعتبر دعوة لشن هجوم عليها.    

 

مخاطر أمنية متزايدة

للعالم العربي الضعيف قدرة ضئيلة على تهديد إسرائيل في حرب تقليدية، حتى في حالة إلغاء مصر والأردن اتفاقات السلام مع إسرائيل. ويتكون العالم العربي اليوم من عدد من الدول الضعيفة التي تعاني من مشاكل داخلية كثيرة، ولا تستطيع تشكيل تحالف عسكري ضد إسرائيل، أو بناء قوة عسكرية تقليدية تساوي القدرة العسكرية التي تملكها إسرائيل. والحقيقة هي أن الفارق العسكري والاقتصادي والتكنولوجي بين إسرائيل وجاراتها تزايد مع مرور السنوات، وتحول الهجوم التقليدي عليها لسيناريو ضعيف التحقق.

لكن ذلك لا يلغي التهديدات العسكرية من أنواع مختلفة، خاصة على ضوء ضعف قدرة الردع الإسرائيلية. وعلاوة على ذلك، من المعروف أن الدول غير المستقرة، أو الدول الفاشلة التي تتميز بحسابات التكاليف/الفائدة مركبة من جهة من أصحاب السياسات لا يخافون من الثمن الكبير الذي سيدفع في حالة الهجوم –وفق كل المعايير، مقارنة مع الدول ذات السيطرة المركزية الأكثر قوة. ومن هنا فإن الأزمة الحالية تزيد من حجم التحديات العسكرية التي تواجهها إسرائيل. وفي السياق المذكور، يدور الحديث عن قيادات جديدة في العالم العربي يملئها الحقد على إسرائيل، وهم من ذوي التجربة المحدودة أو يخطئون في قرارتهم. عدم وجود تجربة في مجال السياسة الخارجية والأمن للقادة العرب الجدد يقلق بشكل خاص. وعلاوة على ذلك، فإن قادة الدول العربية المجاورة لإسرائيل ربما يبادرون إلى شن حرب استنزاف أو حرب إرهاب ضدها، من أجل لفت انتباه جماهير بلدانهم عن المشاكل الداخلية التي يمرون بها. وعلى سبيل المثال نظم الأسد، الذي شعر بأنه مهدد، مسيرات مدنية لعبور الحدود الإسرائيلية من الجولان.

وبالإضافة لذلك، تحول المشاكل الداخلية التي تمر بها الدول العربية الضعيفة لدفيئة لنمو أعمال الإرهاب المتزايد، ما يؤدي لفقدان سيطرة الدولة على ما يحدث فيها، وتصبح حدودها قابلة للاختراق، وتتمتع المجموعات المسلحة والإرهابيين فيها بحرية عمل أكبر مثل الصومال. ومشاكل من هذا النوع موجودة في مصر بعد عصر مبارك، التي أصبح فيها القانون والنظام ضعيفان. وعلى سبيل المثال، شبه جزيرة سيناء المحاذية لإسرائيل، فجر مرات عديدة أنبوب الغاز المتوجه لإسرائيل والأردن. وتحولت شبه جزيرة سيناء إلى ممر مفتوح لمد حماس بالوسائل القتالية الإيرانية، وأصبحت قاعدة لعمليات الإرهاب ضد إسرائيل. وتنتج حماس اليوم قذائف في شبه جزيرة سيناء في محاولة منها لمنع مهاجمتها من قبل سلاح الجو الإسرائيلي. وبإقامة مصانع عسكرية في سيناء ترغب حماس بالدفاع عن مصالحها لأنها تعتقد أن إسرائيل لن تهاجم أهداف داخل مصر حفاظا منها على العلاقات الإسرائيلية المصرية الضعيفة أصلا.

مصدر قلق إضافي يتمثل بفقدان الدولة الضعيفة سيطرتها على أجهزتها الأمنية. حينها يسهل وصول الجماعات الإرهابية لمخازن السلاح التقليدية وغير التقليدية. وحسب ذلك، يدفع ضعف الدول العربية إلى صعود مجموعات سياسية مسلحة جيدا بالوسائل القتالية تعتبر مهاجمة إسرائيل هدفا لها. وعلى سبيل المثال، وفي أعقاب سقوط القذافي وصلت صواريخ أرض-جو الليبية من نوع SA-7  وقذائف "الأر بي جي" ضد الدبابات لحماس في غزة. وبشكل مشابه، يؤدي سقوط نظام الحكم في سوريا إلى سيطرة حزب الله والجهات المتطرفة الأخرى على مخزون السلاح الاستراتيجي المتقدم في سوريا –الذي يضم صواريخ أرض-بحر، وأجهزة دفاع جوي وصواريخ بعيدة المدى من كل الأنواع وأسلحة كيماوية. 

وللآلية الداخلية في الدول المهمة في المنطقة انعكاسات بعيدة المدى مثل مصر التي تعتبر أكبر دولة عربية عسكريا وديموغرافيا، وهي دولة مركزية في السياسة الشرق أوسطية. حيث ضحى النظام العسكري المؤيد للغرب بحسني مبارك ووعد بإجراء انتخابات وإجراء إصلاحات ووقع على تحالف مع الأخوان المسلمين -القوة الوحيدة الأكثر تنظيما في الدولة باستثناء الحكومة المسيطرة. ويبدو أن المستقبل سيحدد بأي مستوى سينجح الجنرالات بالصعود على أكتاف الإخوان المسلمين.

الوجود المحسوس به للإخوان المسلمين في مصر وغض الطرف الدولي عنهم هو بالأساس قبولا بهذا التيار في المجتمع الدولي ودعما لتحقيق أهدافهم الإسلامية المتطرفة. واعتبرت السيطرة على مصر بالنسبة للمسلمين هزة أرضية استراتيجية، وهي تزيد من الدول المؤيدة لمحور التطرف في الشرق الأوسط، وربما يؤدي ذلك إلى قيام تحالف عسكري عربي ضد إسرائيل.

وتتركز المخاوف الإسرائيلية في المحافظة على اتفاق السلام الموقع مع مصر عام 1979، الذي يعتبر أحد العناصر الأساسية في أمن إسرائيل. وخروج مصر من التحالف العسكري مع الدول العربية ضد إسرائيل أزاح من أمامها العنصر الأكثر قوة وحسن من وضع اسرائيل الاستراتيجي بشكل كبير. وعلاوة على ذلك، منع السلام مع مصر العرب من شن حرب ضد إسرائيل على عدة جبهات، ومكنها من تقليص ميزانيتها العسكرية بشكل كبير جدا. وإخلاء سيناء أدى إلى استقرار العلاقات الإستراتيجية بين مصر وإسرائيل. ومنع الاتفاق المذكور كل طرف من شن هجوم مباغت على الآخر. وفي جميع الأحوال، اتفاقيات إخلاء سيناء من الأسلحة تعتبر في أحيان متقاربة انتقاصا من السيادة المصرية، وبالتالي هي اتفاقات يمكن خرقها. وفي حال تحقق ذلك، فإنه يؤشر على تغيير مهم جدا في السياسة الخارجية المصرية. وخروقات من هذا النوع تتسبب بتصاعد إضافي في التهديدات الموجه لإسرائيل ومن شأن ذلك أن يكون سببا للحرب.

ويمكن تراجع السيادة المصرية في سيناء، المحاذية لإسرائيل وقطاع غزة، حماس من مضاعفة قوتها العسكرية ومن حرية عملها. وبتشجيع التطورات الأخيرة في مصر، ترى حماس التي تعتبر جزء من الإخوان المسلمين الذين يرون بإسرائيل شوكة دينية وملتزمة بإبادتها، بأنها ملزمة بتبني موقف هجومي أكبر اتجاه الدولة اليهودية. ولا يعارض الإسلاميين في مصر مثل هذا التطور فالقيود المصرية على حرية الحركة من وإلى قطاع غزة أزيلت، ما أدى إلى تخيف الحصار الذي فرضته إسرائيل على قطاع غزة. وجاء هذا التخفيف إثر -من بين أسباب أخرى- تزايد تأثير الإخوان المسلمين في القاهرة. ويعزز هذا الوضع سيطرة حماس على غزة ومكانة الجماعات المتطرفة في الحركة الوطنية الفلسطينية.

الفراغ السياسي في سيناء معناه تحديات أمنية كبيرة لإسرائيل في حدودها الجنوبية-الغربية. وهذه المنطقة من شأنها أن تتحول لملجأ للإرهابيين، بما يشبه ما يجري في بعض أجزاء لبنان وحتى ملجأ لقراصنة البحر كما يحدث في الصومال. والان تحول هذا القطاع من الأرض (سيناء) لممر سريع للأسلحة المتوجهة لحركة حماس. ويتطلب هذا الوضع وجود عسكري إسرائيلي كبير جدا على الحدود مع سيناء. وإذا تم تهديدها تضطر إسرائيل حينها إلى إعادة احتلال أجزاء من سيناء      

وتتابع القدس بدقة التطورات في الأردن الذي وقع على اتفاق سلام مع إسرائيل عام 1994. وفي الوقت الذي ترى فيه إسرائيل بالأردن عمقا استراتيجيا لها، يرى الأردن بإسرائيل شهادة ضمان ضد غزوها من جيرانها. وحتى الان نجح الملك عبد الله في تجاوز العاصفة الشرق أوسطية مع تحمل أضرار بسيطة له ولإسرائيل. ومع ذلك، فإذا تحركت المعارضة الأردنية، أو سقط نظامي الحكم في العراق أو سوريا في أيدي المتطرفين المسلمين، سيؤدي ذلك إلى زيادة الضغط على العائلة الهاشمية. وسقوط الحكم الملكي في الأردن يدفع باتجاه تمركز قوات معادية على طول الحدود مع الأردن –ليس فقط أطول حدود مع إسرائيل، بل هو الأقرب لقلب الجبهة الإسرائيلية الداخلية –مثلث تل-أبيب-القدس-حيفا، الذي يتواجد فيه معظم سكان إسرائيل، وتعتبر مركز البنى التحتية والاقتصادية لكل دولة إسرائيل.

وبخصوص سوريا، الواقعة على الحدود الشمالية لإسرائيل، يسود فيها حاليا عدم هدوء، ومن غير الواضح إذا استمر نظام الحكم العلوي أو يستبدل بقيادة جديدة من الأغلبية السنية. وفي صيف عام 2011 حاول الأسد شن حرب على إسرائيل للفت الانتباه عما يجري في دولته. ومن سيحل مكانه سيتبعون خطوات مشابهة. وفي كل الأحوال على إسرائيل الاستعداد لارتفاع حرارة الجبهة السورية في الجولان الهادئة بشكل عام.      وأزاحت أحداث المنطقة الانتباه عن القضية الفلسطينية، خاصة أن المظاهرات تجاهلت بشكل عام الفلسطينيين بشكل مطلق. وقدرة السلطة الفلسطينية على المس بإسرائيل من أجل زعزعة مكانتها في المجتمع الدولي محدودة جدا، وتجدد العمليات العسكرية ضد إسرائيل سيجعلهم يدفعون الثمن غاليا. ومع ذلك السلطة الفلسطينية الضعيفة خاضعة لضغوط متزايدة من قبل حماس. وأي حساب استراتيجي خاطئ من قبل الفلسطينيين، يؤدي لموجة عنف جديدة هي إمكانية يمنع على إسرائيل تجاهلها.

وعلى إسرائيل أن تراقب عن كثب قوة جيرانها القريبون والبعيدون، حرصا على عدم المس بها. وبشكل عام يمكن القول أن عدم الهدوء السياسي يسبب ضعفا للدول العربية ويمنح تركيا وإيران فرصا كثيرة لتوسيع تأثيرها في المنطقة. والتعب الإستراتيجي لإدارة أوباما وتوجهها الأيديولوجي للتخلي عن مسئولياتها الدولية يفتح باب المنافسة أمام خصومها –روسيا والصين- في الشرق الأوسط، وهو سيناريو لا يبشر بالخير لإسرائيل. ومن هنا، يجب النظر لعدم الهدوء في المنطقة كتحذير يطالب إسرائيل بتعزيز قدراتها الدفعية للتصدي للوضع في حالة اشتداد الوضع خطورة.

 

تهديدات لخطوط المواصلات

 البحرية في حوض المتوسط

عدم الهدوء في الشرق الأوسط يغير الصورة الاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، خاصة في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط، حيث نجحت بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة بفرض سيطرة معينة على هذه المنطقة. وتظهر تونس وليبيا ومصر ولبنان وسوريا وتركيا توجهات إسلامية، وتهدد بحرية المواصلات البحرية بين إسرائيل والغرب. ويمر عبر هذا الحوض 90% من التجارة الإسرائيلية الخارجية. وهي معطيات تحول حرية الملاحة في المنطقة لأمر حيوي للاقتصاد الإسرائيلي. وعلاوة على ذلك، فإن إمكانية تحرر إسرائيل من التعلق بالطاقة الخارجية وتحويلها لدولة مصدرة للغاز مرتبط ارتباطا وثيقا بقدرة إسرائيل على حماية تجارتها البحرية والدفاع عن آبار الغاز "ليتان وتمار" اللذان اكتشفا في الآونة الأخيرة في البحر الأبيض المتوسط.    

وفي تونس حصل الاسلاميين بالانتخابات التي جرت في شهر نوفمبر على الأغلبية. وفي ليبيا بعد سقوط القذافي، يبدو أن الجهات الإسلامية المتطرفة تعلب دورا كبيرا جدا في رسم مستقبل الدولة. وإذا تدهورت إمكانية نقل السلطة، فذلك يعني الحرب الأهلية. وتوفر الفوضى التي تنشأ للمتطرفين الإسلاميين في إتاحة هامش عمل كبير جدا أكثر من أي دولة شرق أوسطية بسبب المسافة الطويلة للشواطئ الليبية على البحر الأبيض المتوسط.

وفي مصر ما زال يحكم حتى هذا اليوم العسكر، رغم أن الانتخابات التي جرت فيها عام 2011 أدت لفوز الإسلاميين بأغلبية كبيرة في مصر الجديدة التي لها موانئ مهمة على شواطئ البحر الأبيض المتوسط. وتسيطر مصر على قناة السويس التي تربط أوروبا بالخليج الفارسي وبالشرق الأقصى. ويدور الحديث عن ممر مائي ذو أهمية كبيرة جدا، ربما يقع تحت سيطرة متطرفي الإسلام. ونذكر هنا أن مصر فتحت في السابق قناة السويس أمام السفن الحربية الإيرانية (فبراير عام 2011 وفبراير عام 2012). وهذا الوضع يزيد من قدرة إيران المتطرفة على إرسال المعدات العسكرية أو أي مادة أخرى لحلفائها الواقعة مناطقهم على شواطئ البحر الأبيض المتوسط مثل نظام الحكم الحالي في سوريا وحزب الله في لبنان وحماس في قطاع غزة. وعلاوة على ذلك، مثل هذا العمل منح إيران حرية الوصول لدول إسلامية في البلقان مثل البانيا والبوسنة وكوسفو، ما مكنها من زيادة نفوذها في المناطق الواقعة في حوض البحر الأبيض المتوسط.

وحتى لو نجح الجيش المصري في تقليل تأثير القوى الإسلامية في الداخل، ستظل قدرته على فرض السيادة المصرية على سيناء شأن آخر مختلف كليا. وكما أوضح سابقا، ضعفت السيطرة المصرية القوية على شبه جزيرة سيناء كثيرا منذ إسقاط نظام مبارك. وهذا الوضع يساعد الإسلاميين في السيطرة على سيناء، وهي خطوة وإن تمت تهدد الأمن التجاري البحري على شواطئ البحر الأبيض المتوسط والوصول لقناة السويس والبحر الأحمر. وعلى حدود شبه جزيرة سيناء موجودة غزة الخاضعة لسيطرة حماس وهي منظمة إسلامية متطرفة وحليفة إيران. وسبق أن وجهت انتقادات دولية للحصار الإسرائيلي البحري على غزة. وعلى ضوء التغييرات السياسية الأخيرة في مصر وتأثيرها السلبي على العلاقات مع إسرائيل، فإن وقف التهديد الإسلامي القادم لإسرائيل من غزة سيتحول في القريب إلى أكثر تحديا.

وفي شمال حدود إسرائيل تقع لبنان، الدولة الخاضعة لحزب الله المنظمة الشيعية المتطرفة، التي لا تعتبر موانئها صديقة للغرب. ويطالب حزب الله اليوم بتقليص تعلق لبنان بالغرب، وبحصة في كميات الغاز المكتشفة والضخمة التي أعلنت عنها إسرائيل مؤخرا. ويملك حزب الله القدرة على تقليص تعلق أوروبا بالطاقة المنقولة من روسيا وتركيا. وعلاوة على ذلك، لسوريا –عدوة إسرائيل وحليفة إيران تأثير كبير في لبنان.  كما أن الشواطئ السورية الواقعة على طول البحر الأبيض المتوسط ،شمال لبنان، معادية للغرب، وتمنح سوريا  تأثيرا كبيرا على لبنان. وتقدم الشواطئ السورية خدمات للأسطول البحري الروسي، لكن يجب التذكير أن النظام القادم في سوريا سيكون إسلامي ومعادي للغرب.    

الدولة الاخرى الواقعة على طول شواطئ البحر الابيض المتوسط هي تركيا التي يسيطر عليها حزب التنمية والعدالة. وفي السنوات الأخيرة غيرت هذه الدولة سياستها الخارجية المؤيدة للغرب، وتبنت بدلا منها مواقف متطرفة. وتؤيد الحكومة التركية الحالية حماس وحزب الله، وتعارض العقوبات المفروضة على إيران، وتتبنى مواقف متصلبة ومعادية لإسرائيل التي تعبر عن التنوع الإسلامي في الحزب الحاكم. وعلاوة على ذلك، أظهرت تركيا طموحات قوية بقيادة الشرق الأوسط وأسيا الوسطى والقوقاز والبلقان وفي شرق حوض البحر الأبيض المتوسط. الدمج بين القومية التركية والتطلعات العثمانية الجديدة والدوافع الإسلامية يدفع تركيا إلى اتخاذ مواقف عدائية في القضايا الإقليمية المختلفة، وسبق أن لوحت باستخدام قوتها البحرية العسكرية لحماية السفن التي تحاول اقتحام غزة.

كما هددت تركيا قبرص في محاولة منها لأخذ حصة من آبار الغاز الغنية بها المنطقة الجنوبية منها. وتريد تركيا تحقيق سيطرة أو ملكية جزئية على حقول الغاز البحرية الواقعة شرق البحر الأبيض المتوسط. وفي حال تحقق ذلك، تتحول تركيا جسرا لنقل الطاقة إلى أوروبا المحتاجة لها، وتلوي ذراع الغرب الذي سيتعلق بها كمزودة للطاقة. وتضع هذه التطلعات أنقرة في وضع مواجهة مع نيقوسيا ومع القدس، اللتان تشتركان في مصلحة –تطوير حقول العاز في المناطق الاقتصادية المحتاجة لكل منهما وبتصدير الغاز لأوروبا. ويدفع تعارض المصالح بين تركيا ونيقوسيا القوات التركية الموجودة في الجزء الشمالي من الجزيرة المقسمة إلى استكمال احتلال الجزيرة التي تم احتلالها عام 1974. وسيطرة تركيا لا تمس بالمصالح الجيو-اقتصادية الغربية فقط، بل تؤدي لخسارة ضخمة للجزيرة ذات الموقع الاستراتيجي.

وفي الماضي، كانت جزيرة قبرص الخلاف الأساسي الاستراتيجي في خلافات الآخرين –بين الفرس واليونانيين في العصر القديم، وفي وقت متأخر بين العثمانيين وبين فينيسيا، ومن أجل الاختصار نكتفي بالقول أن جزيرة قبرص تمثل الصراع بين الشرق والغرب.

وغرب تركيا توجد اليونان، وهي دولة غربية ديمقراطية لها مصالح عليا بالمحافظة على القبارصة من سيطرة الإسلاميين عليهم. وتؤدي الأزمة الاقتصادية الحالية التي تمر بها اليونان إلى تراجع قوتها العسكرية المحدودة أصلا في مواجهة تركيا. وباستثناء إسرائيل، يعتقد أن بقية دول حوض البحر الأبيض المتوسط سترى بروح ايجابية عودة قبرص للسيطرة الإسلامية وصعود الإسلام في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط.

التأثير الغربي في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط يتعرض اليوم لتهديد متزايد من قبل الإسلام المتطرف في المنطقة. وحقيقة حصول إيران على حرية الوصول لمياه البحر الأبيض، والتأثير المدمر للدول الفاشلة والمنافسة القائمة بين الدول على موارد الطاقة، تدفع باتجاه زعزعة الاستقرار في المنطقة. ومع ذلك، لا تعلم الدول الغربية الكبرى وفي مقدمتها الولايات المتحدة، بأنها ستفقد تأثيرها في شرق حوض البحر الأبيض المتوسط لصالح الإسلام المتطرف، ولا توجد إشارات بأنها تستعد لبذل أي جهود لمنع حدوث مثل هذا السيناريو. ويبدو ان الغرب خدع بأمانة بما يسمى بالربيع العربي الذي يحمل في طياته تحسن في البيئة السياسية وأن تركيا تمثل الإسلام المعتدل. وبمصطلحات استراتيجية فإن السذاجة والاستعداد لتقبل الوضع المستقبلي الذي تظهره الولايات المتحدة وأوروبا يعتبر خطأ كبير جدا.

 

التحدي النووي الإيراني

التقلبات الواقعة في العالم العربي لفتت الانتباه عن استكمال إيران لمشروعها النووي، وهو السيناريو الذي طالما حذرت إسرائيل منه أكثر من أي دولة أخرى- إيران نووية. وعلاوة على ذلك، عدم الهدوء في الشرق الأوسط يلعب لصالح إيران من الناحية الإستراتيجية، التي تحاول كسب الوقت من أجل تحقيق رغباتها النووية واعتبارها حقيقة قائمة أمام العالم. وفي المقابل تواصل إيران الحافظة على مشروعها النووي من دون اهتمام بالعقوبات الاقتصادية التي فرضها الغرب ومن عدم اللطافة الدبلوماسية التي تسببت لها. كما أن نشر تقرير الوكالة الأوروبية للطاقة الذرية (نوفمبر 2011) الذي عبرت فيه عن قلقها من النشاطات النووية الإيرانية وأنه لا يمكن مساواة ما يجري وبين المشاريع النووية السلمية، لكن هذا الأمر لن يغير شيء في إيران.

وتبدي إسرائيل قلقها من عدم فاعلية الرد الدولي على المشروع النووي الإيراني. وهو الرد الذي يدل على عدم تفهم الانعكاسات بعيدة المدى. أو العكس، عدم وجود رغبة سياسية لمواجهة مثل هذه المشكلة الاستراتيجية. ولا يوجد شك، بأن إيران النووية ستدفع إلى انتشار الأسلحة النووية في المنطقة. وتجد دول مثل تركيا ومصر والسعودية صعوبة في عدم تبني مواقف نووية مشابهة لما تنوي إيران انتاجه. ومثل هذه الخطوة تحول الشرق الأوسط إلى كابوس استراتيجي. ووجود إيران النووية يعزز من سيطر. كما أن إيران النووية سُتفقد الغرب ودول أسيا الوسطى تأثرها، وهذا ما سيدفعها للانضمام لإيران، أو تحاول هذه الدول تغطية نفسها بمظلة نووية من قبل روسيا أو الصين القريبتان من المنطقة أكثر. وستكون طهران وبعد حصولها على الطاقة النووية، عدائية وجريئة أكثر، وداعمة للجهات الشيعية المتطرفة في العراق، وتدفع باستمرار عدم الاستقرار في دول الخليج. وعلاوة على ذلك، تمنح طهران اليوم مساعدة ودعم كبيران جدا للمنظمات الإرهابية مثل حزب الله وحماس والجهاد الإسلامي، وستسارع إيران بتسليم هذه القوى المذكورة التي لا تملك أية معايير أخلاقية أسلحة نووية من أجل ضرب أحد الموانئ الغربية أو الأمريكية. وبالإضافة لذلك يهدد المشروع النووي الإيراني –مع التحسينات الإضافية التي تضيفها إيران للصواريخ- معظم العواصم الغربية، وفي نهاية الأمر قارة أمريكا الشمالية.

وعلاوة على ذلك، يبدو أن إدارة اوباما لا تملك القدرة على فرض عقوبات أكثر شدة، أو استخدام القوة كحاجة ضرورية من أجل وقف المشروع النووي الإيراني. وتتفهم القدس أن اللحظة أصبحت قريبة التي عليها اختيار القيام بعملية عسكرية ضد المواقع النووية الإيرانية أو الإقرار بوجود إيران نووية. وتوجه إسرائيل إلى تصفية التهديد النووي الإيراني سيكون موضع امتحان حقيقي في القريب العاجل. وخلال صيف وخريف عام 2011 انشغل عدد كبير من الموظفين الإسرائيليين السابقين والحاليين بمسألة هل مهاجمة المواقع النووية الإيرانية هو أمر ضروري أو سليم ؟.       

 

الرد الإسرائيلي

تدرك القدس أن المتظاهرين في الشوارع العربية لن يتحولوا لعملاء مفيدين للديمقراطية، والتوجه المركزي السائد في العالم العربي هو توجه معادي للغرب وبطبيعة الحال لإسرائيل. من جهتها تبارك إسرائيل كل جار يتطلع إلى السلام والديمقراطية، لكن عليها أن تأخذ بالحسبان في تحليلها للسيناريوهات المختلفة وقوع السيناريو الأسوأ. فقبل أي شيء، تعتبر الصراعات وسكب الدماء عنصرا تاريخيا دائما، خاصة في المنطقة التي تعيش فيها إسرائيل. ولتفهمها أن بقاؤها متعلق أصلا بقوتها الوطنية، بنت إسرائيل قوة عسكرية مذهلة، خاضت أخر حرب كبيرة عام 1973. ومنذ ذلك الوقت، خاضت إسرائيل حروب صغيرة جرت ضد أطراف لم تكن تقود دول. ومع ذلك، تتطلب التغييرات في المحيط الاستراتيجي لإسرائيل منها الحذر والاستعداد لمجموعة من التهديدات. وفي السياق المذكور، صرح قائد الجبهة الداخلية الإسرائيلية الجنرال إييال إييزنبرغ أن التطورات في العالم العربي زادت من إمكانية اندلاع حرب إقليمية شاملة. ورغم أن اندلاع حرب برية على عدة جبهات ليست واردة، على إسرائيل أن تأخذ وقوع مثل هذه الحرب بعين الاعتبار. وطالما تحول المحيط الاستراتيجي لإسرائيل معاديا أكثر، هناك حاجة لزيادة قدرات الجيش الإسرائيلي، تأخذ بعين الاعتبار إمكانية اندلاع حرب شاملة. 

 

ميزانية دفاع كبيرة

نتيجة المذكور أعلاه، لا يوجد أمام إسرائيل سوى زيادة وسائل الدفاع الخاصة بها، بحيث تكون قادرة على مواجهة التحديات المذكورة أعلاه. وعلى إسرائيل ان تستثمر في بناء قوة عسكرية قوية جدا، تكون قادرة على مواجهة مجموعة تحديات وسيناريوهات، بما في ذلك حرب شاملة وبمستوى كبير جدا. ومن أجل ذلك، تحتاج إسرائيل لجيش كبير جدا. ونفس الوضع ينطبق على أسلحة المشاة والبحرية. ويجب أن تكون عملية بناء القوة عملية متواصلة وطويلة، لكن من الضروري التسريع باتخاذ كل القرارات الضرورية بخصوص طريقة بناء القوة. وكما هو مفهوم، تخصيص الميزانيات المطلوبة. كذلك هناك مواضيع إضافية تتطلب انتباها خاصا مثل مواجهة والتصدي لصواريخ والطائرات الانتحارية.

وفيما يتعلق بالحدود الجنوبية التي كانت هادئة لفترة طويلة، ولم تتطلب حتى الان سوى حضور عسكري إسرائيلي محدود جدا. لكن التغييرات في مصر وسوريا تتطلب وضع قوات أكبر على طول الحدود مع الدولتين. وعلاوة على ذلك، فإن عدم الوضوح بخصوص مستقبل مصر وسوريا والأردن يتطلب من إسرائيل توقع السيناريوهات الأكثر سوءا بما في ذلك تحديات عسكرية مختلفة ومتنوعة وفي كل حدود إسرائيل في آن واحد. يذكر أن الجيش الإسرائيلي نشر قوات نوعية أكبر على طول الحدود مع مصر وسوريا. والتوتر على طول خط الفصل بين إسرائيل ومصر هو أيضا يتطلب تغييرات تنظيمية مثل إقامة لواء إقليمي جديد، إضافة إلى تشكيل لواء إيلات. وعلى إسرائيل أن تزيد من تواجدها العسكري على طول حدودها مع جيرانها. ويعتقد أن هناك حاجة لنشر أولوية عسكرية جديدة في جنوب البلاد، من أجل مواجهة سيناريوهات ممكنة في الحدود مع مصر، وكذلك مواجهة التحدي المتزايد والقادم من قطاع غزة. وفي السياق المذكور، صرح رئيس الأركان الإسرائيلي الجنرال بيني غينتس أن هناك حاجة لعمل عسكري واسع النطاق لمعالجة التهديدات القادمة من قطاع غزة.

ونظرا لتوقع قصف مناطق إسرائيل وقواعدها  الجوية ومناطق انتشار قواتها، من المهم للدولة أن تعزز وتقوي سلاح البحرية، من أجل تعزيز وضعها ونشرها في المعارك الاستراتيجية في البحر. واعترفت الجهات المسئولة في الآونة الأخيرة بأهمية سلاح البحرية، لكن هذا الاعتراف لم يترجم لسلم أفضليات مخصص له ميزانيات. ومنذ وقت طويل يتجاهل الجيش تحديث وتوسيع سلاح البحرية (باستثناء شراء غواصات) فخطط شراء أسلحة لسلاح البحرية لم تقر بعد، وذلك الخلل يجب إصلاحه بالسرعة الممكنة.

ويشير تلخيص الوضع السياسي للدول الواقعة على شواطئ البحر الابيض المتوسط إلى تزايد التهديدات لخطوط النقل البحرية، خاصة بعد اكتشافات الغاز الجديدة. وتؤكد الاحتياجات الأمنية الجديدة على الحاجة لتحديث سلاح البحرية وتقوية الجيش الإسرائيلي في هذا المجال.

وضع موضوع التصدي للصواريخ ذات المدى المختلف على جدول الأعمال الأمني الوطني منذ عقدين من الزمان على الأقل. لكن الميزانيات والآراء السابقة ضد التصدي للصواريخ وقصر النظر الاستراتيجي تسببت في التباطؤ بتمويل وتطوير وتوزيع بطاريات مضادة للصواريخ. وهذا الوضع يتطلب إصلاح، لأن معنويات أعداء إسرائيل المتطرفين وتطلعهم لقصفها في ازدياد. وفي كل مواجهة مستقبلية مع اتباع إيران في المنطقة –حزب الله وحماس- تتعرض كل الجبهة الإسرائيلية الداخلية لهجوم شامل بالصواريخ. وفي السياق المذكور طالب الجيش الإسرائيلي تخصيص 3.5 مليارد دولار من وزارة المالية للخمس سنوات القادمة من أجل إعداد بطاريات ضد الصواريخ المعادية.

ومن أجل مواجهة تحدي الصواريخ، على إسرائيل تحسين دفاعاتها السلبية والإيجابية، ففي المجال السلبي عليها زيادة بناء الملاجئ والغرف المحصنة في المنازل، وبناء مناطق محصنة في مؤسسات التعليم والمراكز التجارية وأماكن اللهو. وفي مجال الدفاع الإيجابي عليها نشر بطاريات "القبعة الحديدية" من أجل التصدي للصواريخ التي يصل مداها إلى 70 كم، ونشر بطاريات "قلعة داوود" ضد الصواريخ بعيدة المدى التي يزيد مداها عن 300 كم (حتى الان لا تعمل). وتعمل إسرائيل اليوم على دمج بطاريات التصدي للصواريخ قريبة المدى، مع بطاريات التصدي للصواريخ بعيدة المدى –نسخ معدلة من الباتريوت ذو القدرات المتقدمة وبطاريات إطلاق صواريخ "حيتس 2 وحيتس 3" المعدة للتصدي لصواريخ بعيدة المدى. وتوفر هذه البطاريات ووضعها تحت رقابة وطنية يتطلب تمويل وانتباه أكثر. وتوفر وسائل الدفاع المذكورة يزيد من حجم المناورة السياسية، ويسهل في شن عمليات برية في غزة ولبنان، أو على أقل تقدير تقليل التكاليف المرتبطة بمثل هذه الهجمات

والميزة الأساسية لإسرائيل على أعدائها هي في مجال القوى البشرية، حيث تشهد تنظيما جيدا وفيها تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ولميزانية الدفاع تأثير هامشي على جهاز التعليم، أو على القوى البشرية التي تتمتع بها إسرائيل، لكن لذلك تأثير كبير في مجال التطوير. وتحولت الصناعات العسكرية الإسرائيلية إلى صناعة مخصخصة وموجهة للتسويق، وهذا الوضع يؤثر بالضرورة على تغيير سلم الأفضليات. ومن سوء الحظ، اختارت الصناعات العسكرية الاستثمار أولا وقبل أي شيء في التكنولوجيا للتسويق العالمي، وليس الاستثمار في الاحتياجات المستقبلية للجيش الإسرائيلي. وعلاوة على ذلك، على إسرائيل أن توفر موارد ضرورية من أجل استمرار التفوق الاستخباري وهو الأمر المهم للمحافظة على قوة الردع الإسرائيلية ومن أجل انتصارها في الحروب المستقبلية.  

ومن حسن الحظ، فإن الاقتصاد المزدهر لإسرائيل يسمح لها باقتناء أجهزة دفاع كبيرة جدا لمواجهة الاحتياجات الأمنية الوطنية التي تحتاجها، غير أن الاحتجاجات الاجتماعية الجماهيرية في صيف 2011 حولت المهمة لأكثر صعوبة من الناحية السياسية، وردا على الرأي العام المطالب بالاستثمار في الاحتياجات الداخلية قرر المجلس الوزاري المصغر في تشرين أول عام 2011 تقليص ميزانية الدفاع. كما ان الصعوبات الاقتصادية في أوروبا برزت وهي السوق الأساسية للتصدير الإسرائيلي، وهناك خشية كبيرة من تراجع الاقتصادي العالمي، ما يدفع بالحاجة في إسرائيل لشد الأحزمة. 

ورغم كل ذلك، فإن وجود قيادة إسرائيلية شجاعة وحكيمة، يمكنها أن توضح لشعبها أن تغيير الوضع يتطلب تقليصات تؤدي لخفض مستوى الحياة لفترة ما. وفي السياق المذكور أظهر المجتمع الإسرائيلي حصانة وقوة نفسية هائلة في النزاعات المتواصلة، وسوف ترد بالإيجاب على مناشدة صحيحة تأتي من القيادة السياسية. ومثل هذا التوجه يرافقه تقليصات في مصاريف الجيش الزائدة عن اللزوم. كما على الدولة طرح حلول حقيقية لتقلص الفوارق الكبيرة بين الأغنياء والفقراء في المجتمع الإسرائيلي التي بدأت تتسع في الآونة الأخيرة، من أجل المحافظة على الوحدة الاجتماعية. 

 

ضرورة المحافظة على حدود يمكن الدفاع عنها

بسبب السيولة السياسة العالية في الدول المحيطة بإسرائيل عليها أن تصر، في كل مفاوضات مستقبلية للسلام مع السلطة الفلسطينية و/أو مع سوريا على حدود يمكن الدفاع عنها. والشعارات المبسطة التي تطرح صبحا عشيا، بخصوص تراجع الأهمية الإستراتيجية للأراضي تتجاهل الحقيقة التاريخية، والتكنولوجيا العسكرية هي بجوهرها متغيرة، فأحيانا تجد الأفضلية في جانب المدافع وأحيانا أخرى تجدها في صالح الطرف المهاجم. ودراسة تاريخ السلاح تشير بوضوح أن كل أجهزة عسكرية تخترع، يواجهها في المقابل سلاح مضاد. وعلى سبيل المثال، حيدت قوة نار المدفعية بالدبابة المدرعة، التي بدروها  ُهددت من الصواريخ المضادة للدبابات، ما أدى إلى تطوير شبكة حماية للدبابات. التنافس التكنولوجي معقد وامتلاك ميزات تكنولوجية أفضل هو أمر مؤقت فقط، وتسري إلى حين اختراع أحد الأطراف المتنافسة تكنولوجيا جديدة. وعلاوة على ذلك، فإن نتائج المواجهات العسكرية لا تحسم بالميزان التكنولوجي فقط بين المدافع والمهاجم، وهي ليست مرتبطة به، فما زال العامل الطبوغرافي ذو أهمية كبيرة جدا. فالاستراتيجيين والعسكريين في كل انحاء العالم ما زالوا يولون أهمية كبيرة للميزات الطبوغرافية في ساحة المعركة.

 

وعليه، يجب عدم السماح بوضع تكون فيه الحدود المستقبلية لدولة إسرائيل مع سوريا ومع السلطة الفلسطينية ترسم وفق معطيات تكنولوجية متغيرة، رغم أنها لصالح إسرائيل اليوم. ومن تاريخ الحروب نتعلم أن التفوق العسكري والتكنولوجي والتسليح مفضل من أجل الانتصار في المعركة.    

إيجاد احلاف استراتيجية

علاوة على تراجع التأثير الأمريكي في الشرق الأوسط، لا يوجد لإسرائيل خيار سوى  تعزيز الشراكة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة. ويعتقد أن الولايات المتحدة ستظل القوة العظمى الأولى لفترة طويلة، وان غروب شمسها من الشرق الأوسط هو أمر مؤقت فقط. ويعيش الشعبين الأمريكي والإسرائيلي وفق قيم مشتركة، وهناك دعم أمريكي واسع لاستقرار الدولة اليهودية، ما يحول الولايات المتحدة للحليف الأفضل بكل المعايير الممكنة. ويجب على السياسة الخارجية الإسرائيلية أن تأخذ بعين الاعتبار المواقف وحتى تناقض المصالح بين القوة العظمى وحليفتها الصغيرة، بشكل يضمن استمرار الصداقة والدعم من جانب الولايات المتحدة. وفي التحليل النهائي، فإن التطورات في واشنطن مهمة للقدس أكبر بكثير من التطورات التي تحدث في المنطقة.

وطالما حافظت إسرائيل على علاقاتها مع الولايات المتحدة، فإن ذلك يسهل عليها مواجهة العزلة الإقليمية التي فرضت عليها. ومع ذلك، لإسرائيل مصلحة واضحة بتشجيع استمرار علاقاتها مع مصر والأردن، وبالمحافظة على اتفاقيات السلام معهما. وعليها أن تحاول إيجاد شركاء إستراتيجيين جدد من المحيط الإقليمي من أجل التغلب على تقييد حرية تحركها وتقليل العزلة التي تعيشها. الواقع السياسي المشترك لكثير من قادة المنطقة والتي لا يوجد لها أساس من العلاقة، وربما يؤدي لتعاون كبير ومفاجئ مع إسرائيل مثل الأسس المشتركة للسعودية الوهابية ودولة إسرائيل اليهودية، اللتان تتعاونان كل على حدة ضد إيران، وسيناريو مشابه يمكن أن يحدث مع السنة في العراق. كما يمكن لإسرائيل أن تعيد تحالفها مع الأكراد، الأمر الذي يساهم في تقليص العزلة التي تمر بها. وتتوقع الدولة الجديدة في جنوب السودان مساعدات وتعاون من إسرائيل. ويمكن التعاون مع كل الجهات المعادية للإسلاميين في المنطقة وفي مقدمتهم الأقليات مثل الدروز والمسيحيين في لبنان المعنيين بإقامة علاقة قوية مع إسرائيل –رغم إدراكهم أن هذا التعاون سيكون محفوفا بالمخاطر الكبيرة.

ويجب التذكير أن إسرائيل تستطيع الصمود في وجه العزلة التي تمر بها، لأنها في نهاية الأمر قوية وحديثة ومزدهرة اقتصاديا وديمقراطية، وبالتأكيد غير معنية بالاندماج في المنطقة التي تمتاز بالديكتاتوريات والفساد والجهل والفقر. وباستثناء ميزات اقتصادية متواضعة، عمليا لا يوجد في الشرق الأوسط ما يقدمه لإسرائيل، وأفضل لها أن يتركها جيرانها في حالها.

وعلاوة على ذلك، ومن أجل التعويض عن خسارة تركيا تستطيع إسرائيل أن تجد لها شركاء أخرين في حوض البحر الأبيض المتوسط. فاليونان وقبرص تغازلان إسرائيل وتعززان الوجود الغربي في شرق البحر الأبيض المتوسط. كما أن لإيطاليا علاقات جيدة مع إسرائيل، وهي علاقات يمكن تطويرها. ونتأمل أن تعترف الولايات المتحدة بمصالح أخرى لها ولحلفائها في المنطقة، وتعرف كيف تستخدم قوتها وأسطولها السادس لمنع تحويل المنطقة لحوض إسلامي.        

 

ما العمل في الموضوع الإيراني؟

تطلع إيران للحصول على القنبلة النووية، وهو ما يعتبر أكبر التحديات الأمنية التي تواجه إسرائيل اليوم. ولم تتأثر إيران من حالة عدم الهدوء والتقلبات في العالم العربي. والمعضلة التي تواجه إسرائيل اليوم هي أن الرد الصحيح أصبح صعب جدا، كلما اقترب الإيرانيين من صناعة سلاح نووي، كلما تراجعت إمكانية حدوث ثورة مضادة. ولا يؤمن معظم الإسرائيليين من كل الاتجاهات أن العقوبات الاقتصادية ستغير في الحسابات السياسية-الاستراتيجية لطهرن وتدفعها للتوقف عن مشروعها النووي. ووفق ذلك يسود الاعتقاد أن نشاطات عسكرية سرية و/أو عمل عسكري يعيق أو يوقف تقدم المشروع النووي الإيراني. ومع ذلك، فإن قرار مهاجمة المواقع العسكرية الإيرانية هو قرار صعب، ويبحث على أعلى مستويات القرار في إسرائيل. وخطوة واضحة وغير متوقعة من الغرب توفر على حكومة إسرائيل حالة الارتباك التي تمر بها، لكن لا يوجد أمل بأن يتحقق هذا السيناريو، وبذلك تكون إسرائيل هذه المرة أيضا لوحدها في الساحة.    

 

خلاصة

الشرق الأوسط العربي مجمد حتى على حراسه وغارق في أزمة اجتماعية-سياسية، وإمكانية إحداث تغييرات إيجابية في المستقبل القريب ضعيفة. والمستقبل القريب للدول العربية يبدو قاتم جدا. الأنظمة الحالية ستبقى على حالها، أو تستبدل بديكتاتوريات جديدة معتدلة أو متطرفة. وبشكل أو بأخر سنرى في المستقبل دول ضعيفة تواجه مشاكل داخلية وتظهر عدم وضوح كبير في سياستها الخارجية.  وكل ذلك لا يبشر بالخير لإسرائيل. كما أن التغيير في ميزان القوى الإقليمي لصالح تركيا وإيران (المدعومة من قبل جهات إقليمية متطرفة) لا يعمل لصالح إسرائيل. وما بدا أنه تراجع بمستوى تأثير الولايات المتحدة لا يضر فقط بمسيرة السلام، بل بقدرة الردع الإسرائيلية. وتمر إسرائيل اليوم في حالة عزلة إقليمية شاملة، ويتوقع أن تواجه في المستقبل عمليات إرهابية أكثر، مع تهديدات جديدة لخطوط التجارة البحرية ولموارد الطاقة في البحر الأبيض المتوسط، وأمام إمكانية تحول إيران لقوة نووية.

ورغم تدهور الوضع الأمني في محيطها، ما زالت إسرائيل دولة قوية، وميزان القوى الاقليمي يميل لصالح إسرائيل في الوقت الحالي أكثر بكثير من الماضي، ما يؤهلها لمواجهة كل التهديدات التي تقف في وجهها. وعلى إسرائيل أن تنفق أكثر على الدفاع والأمن، وتطوير شبكة علاقات خاصة وجيدة مع واشنطن التي تعتبر من أسس الأمن القومي الإسرائيلي. كما أن المجتمع الإسرائيلي أثبت حصانة أكثر من السابق على ضوء التحديات الأمنية المعقدة. ويدرك معظم الإسرائيليين الواقع الذي يمر به الشرق الأوسط الذي يعتبرونه ذو مشاكل وربما يتحول لعنيف ووحشي أكثر من أي وقت مضى.    

(انتهى)

Developed by MONGID DESIGNS